السبت 21 يوليو 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

أزمة مياه العراق والضغط على إيران: النجف والاقتصاد والقرار السياسي (4)

أزمة مياه العراق والضغط على إيران: النجف والاقتصاد والقرار السياسي (4)

لا يبدو أن بغداد تنوي الضغط على طهران بالاستفادة من أي ورقة متاحة لها، بل تمضي بسياسة تفادي المشاكل رغم تفاقمها وعصيانها على الحل، وبالنتيجة ستخلّف المشكلة المائية أضرارًا كبرى على مستقبل العراق.
وبالطبع، تختلف أوراق الضغط العراقية على إيران من تلك التي تخص تركيا. فإيران تتمتع بنفوذٍ واسع في العراق، وتتحكم بالمفاصل السياسية والاقتصادية والأمنية فيه، ما يمنحها ما يشبه السلطة لإِبطال أي ضغط لبغداد عليها. تقمع طهران أي انتقاد رسمي واضح ومعلن من قبل بغداد لسياساتها والتجاوزات التي تقوم بها، إلا بحدود الحفاظ على ماء وجه الكيان السياسي العراقي. وغالبًا ما يحدث ذلك عبر مذكرات احتجاج تبقى نادرة، لم تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وهي ترسَل حين يقع ضغط أميركي على الحكومة العراقية.
وقد استغلت إيران صراعها مع النظام السابق لتبرر سياساتها المائية العدائية تجاه العراق، بعد أن ضمنت أن اتفاقية الجزائر (1975) باتت لاغيةً من قبل النظام الجديد، وهو ما أعلنه من طهران الرئيس السابق جلال طالباني خلال زيارته لإيران في كانون الأول/ ديسمبر 2007.
وتتعامل إيران مع العراق كرئة اقتصادية لها. وفي الشأن المائي فعلت إيران ما فعلته تركيا في العراق. وبعد فترة الاحتلال الأميركي والوجود السياسي القوي لواشنطن في بغداد (2003 – 2006) قامت إيران بإحداث خرق مباشر يضمن لها استفادة منهجية من الوضع العراقي، ويؤرخ ذلك بتشكل أول حكومة دائمة وكاملة الولاية (نوري المالكي 2006 – 2014).
كشفت موجة الاحتجاجات الأخيرة في إيران عن اقتصادٍ منهك لولا الرئة العراقية المفتوحة التي تُعجل بسد ثغراته. فقد تضاعف التبادل التجاري مع العراق خلال العقد الأخير 17 مرة. ووفقًا للملحق التجاري الإيراني في العراق، فإن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 13 مليار دولار في العام 2017، من ضمنها 6 مليار و200 مليون دولار صادرات سلع غير نفطية إيرانية إلى العراق. فيما يشير الرئيس العراقي لغرفة التجارة الإيرانية العراقية المشتركة، إلى إمكانية ارتفاع قيمة حجم التبادل التجاري بين إيران والعراق إلى أكثر من 20 مليار دولار سنويًا.

“لم تدع بغداد لها قوة أمام طهران إلا وتنازلت عنّها”

في العام 2005، كانت الصادرات الإيرانية إلى العراق تبلغ 790 مليون دولار فقط، وفي عام 2006 بلغ حجم الصادرات مليار دولار، حيث لم يستجب السوق العراقي لمتطلبات التجارة مع إيران، لاسيما أن السلع والمنتجات المصدَّرة كانت رديئة، والانفتاح العراقي كان على الاستيراد من تركيا والأردن والسعودية والدول الخليجية.
مع حلول العام 2006، وبوصول نوري المالكي إلى الحكم، تشكلت لجنة للتنمية الاقتصادية بين البلدين، ووقعت كذلك اتفاقية أمنية غامضة، فارتفع حجم الصادرات إلى 4 مليار و439 مليون دولار في 2010، فضلًا عن التحويلات البنكية بالعملة الصعبة، وغسيل الأموال بدءًا من العام 2010 وحتى العام 2014 (الفترة الثانية لحكم المالكي) بحكم حاجة إيران إلى الدولار بظل العقوبات الدولية عليها.
تُهيّمن إيران على خمسة مسارات تجارية بغطاء استخباري قوي عبر العراق، الأول يخص المنطقة الجنوبية عبر منفذ الشلامجة – البصرة، الثاني منفذ الشيب – العمارة، والثالث مهران – بدرة وجصان (الفرات الاوسط)، والرابع زرباطية – ديالى (أعالي بغداد باتجاه الحدود السورية – طريق الحرير)، والخامس عبر منافذ إقليم كردستان شمالًا. ومن خلال هذه الشبكة ترسم طهران خارطة اقتصادية متعددة التوظيف. فعبر المجموعات المسلحة التي تدين لها بالولاء، والمنضوية في إطار الحشد الشعبي، تسعى طهران لقطع الطريق على الطموح السعودي بالاستثمار في الأنبار ولعرقلة مشروع الطريق الدولي غرب العراق لتنشيط التجارة مع الأردن والسعودية، والنقل البحري انطلاقًا من ميناء أم قصّر.
كما تخوض صراعًا مع تركيا للسيطرة على الطريق الصاعد من ديالى إلى تلعفر، ومنه إلى العمق السوري. إذ ترى تركيا في تلّعفر عقدة المواصلات التي تقطع على طهران طريق دعم النظام السوري، وتحد من أية تغييرات ديموغرافية لصالحها.
فقد العراق واحدة من أوراق الضغط على طهران حين تواطأ معها لإخراج الجماعة الإيرانية المعارضة “مجاهدي خلق” من أراضيه، ويُنسق معها أمنيًا لاحتواء حزب “الحياة الحرة” الإيراني (“بيجاك”) فضلًا عن الجماعات الإيرانية الأخرى المعارضة المنتشرة في شمال العراق. لم تدع بغداد لها قوة أمام طهران إلا وتنازلت عنّها، فبقيّت مكشوفة أمام السياسات الإيرانية المتسببة بالأضرار، ومنها في مشكلة المياه.

“تعمل السلطات الإيرانية بالعلاقة مع العراق على مبدأ فصل الملفات وتعدد مراكز القرار”

وأما مرجعية النجف المتصدية للشأن السياسي في العراق، فهي على الرغم من مكانتها الدينية العميقة لم تقترح أية وساطة لتخفيف التدخل الإيراني، ولم تستخدم نفوذها القوي لترتيب العلاقة المائية بين العراق وإيران، بل ظلّ التدخل الإيراني خارج اهتمام النجف التي قصرت اكتراثها على الصراع التقليدي مع مراكز القوى الدينية في قم ومع مكتب المرشد الإيراني.

وعلى مقسم الأزمة الكردية، فإن طهران، كما أنقرة، تشعر بالهلع من فكرة إقامة الدولة الكردية. وحين قرر الكرد الاستفتاء على الانفصال في أيلول/ سبتمبر الماضي، دعمت طهران أحد أجنحة الاتحاد الوطني الكردستاني المُقرّب تاريخيًا منها، فتمكن من انتزاع كركوك الغنية بالنفط. ثم أبرمت بعد مضي شهرين مع وزارة النفط (التي يرأسها وزير مقرّب من رئيس تيار الحكمة عمّار الحكيم)، اتفاقًا مريبًا يقضي بمقايضة 60 ألف برميل يوميًا من خام كركوك بنفط إيراني للتسليم في جنوب العراق، لكنها لم تغلق منافذها التجارية مع الإقليم الكردي حتى في عزّ الأزمة.
ولإيران مرّوحة استفادة من النفط والغاز واسعة جدًا، تتضمن شراء العراق لكميات كبيرة من الوقود الإيراني والغاز يوميًا لسد الحاجة المحلية، فضلًا عن خطوط النقل الكهربائي التي إن تأخر العراق عن سداد أقساط الدفع، تقوم السلطات الإيرانية بقطعها فورًا دون التفكير بحاجة العراق الماسة للكهرباء لاسيما بفصل الصيف.
وتعمل السلطات الإيرانية بالعلاقة مع العراق على مبدأ فصل الملفات وتعدد مراكز القرار. بمعنى أنها تُغرق بغداد بعدد كبير من الاتفاقات الثنائية الموقعة مع مفاصل صغيرة في الجسم الإيراني، لقطع الطريق أمام أي محاولة عراقية لإلغائها أو تعديلها إذا ما ارتبطت بتأخر في الدفعات المالية.

المصدر:السفير العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات