الثلاثاء 22 أغسطس 2017 | بغداد 45° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

المشروع الوطني.. الضرورة والتحدي .. عامر سلمان العكيدي

المشروع الوطني.. الضرورة والتحدي .. عامر سلمان العكيدي

منذ بداية نشأتها أدركت هيئة علماء المسلمين حجم الخطر الكبير الذي يمثله الإحتلال العسكري الأمريكي للعراق وما سيرافقه من تداعيات لا تقل خطورة عن تواجده العسكري، والتي كان من أهمها ضربه للوحدة الوطنية للشعب العراقي، واللعب على تماسك نسيجه، الذي تآلف وتعايش بسلام وأمان لقرون عديدة على الرغم من اختلاف ألوانه ومشاربه.

ومن هذا المنطلق سعت الهيئة للسير في خطين متوازيين وبقوة واحدة للدفاع عن العراق أرضا وشعبا، فوقفت مع مقاومته الباسلة للوجود العسكري الأمريكي، ورفعت شعار الوحدة الوطنية للشعب العراقي كخيار استراتيجي لا يقل أهمية عن طرد المحتل من أرض العراق.

وكانت انطلاقتها العملية لتحقيق هذا الهدف مشاركتها في 8 / 5 / 2004 م وبعد عام من الإحتلال علماء المسلمين بكافة بمذاهبهم، ومعهم جميع الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية والأطياف السياسية في التوقيع على وثيقة عهد وتبني ميثاق عمل وطني يجمع العراقيين على كلمة سواء، وذلك في مؤتمر وطني يجمع كل الخيرين من أبناء العراق الواحد على ثوابت إسلامية ووطنية وقومية، كان من أهم سماتها رفض الإحتلال الأجنبي للعراق والإلتزام المطلق بوحدة العراق أرضا وشعبا، فكان تأسيس المؤتمر الوطني العراقي، الذي ظلت الهيئة داعمة له لإيمانها الراسخ أنه يصب في مصلحة العراق ووحدته.

وتأكيدًا لثباتها على مبادئها دعت الهيئة في 15 / تموز / 2004 م إلى ميثاق شرف وطني يساهم في كتابته أبناء العراق المخلصين بعيدا عن تاثيرات غيرهم مهما كان الغير قريبا أو بعيدًا؛ لأن أهل العراق هم أدرى بمصلحته وبما يناسبه للعيش المشترك بسلام ووئام، واقترحت الهيئة في دعوتها أنْ يتضمن هذا الميثاق نقاط عدة، من أهمها رفض الاحتلال بشتى صوره والعمل الجاد على إنهائه بالوسائل المشروعة والممكنة، ثم العمل على جمع الكلمة ووحدة الصف والحرص على وحدة العراق أرضا وشعبا، والسعي إلى إيجاد مرجعية أو لجنة عليا لتفصيل مواد هذا الميثاق الذي سمته في دعوتها (ميثاق الشرف الوطني).

وظلت الهيئة ترقب هذين الخطرين، خطر الإحتلال العسكري وخطر ضرب الوحدة الوطنية بعين الحريص حتى تحقق الهدف الأول وذلك في إعلان الولايات المتحدة الأمريكية انسحابها المذل من أرض العراق على يدي مقاومته الباسلة، ولكنّها خلّفت ورائها أعوانها، الذين يسعون بكل ما أوتوا من قوة للتهوين من وحدة الشعب العراقي من خلال دعوات التقسيم لأرض العراق وتفريق الشعب على أسس لم يعرفها العراقيون من قبل، فكان لابدّ من التركيز والعمل لدفع هذا الخطر من خلال تفتيت الفتنة الطائفية والعرقية والتأكيد الدائم على إنّ عودة العراق سليما معافى لن تكون إلا بوحدته ووحدة شعبه، فشاركت الهيئة في كل جهد يخدم هذا الهدف السامي، وكان من أبرز هذه الجهود اشتراك الهيئة الفاعل في اللقاءات التشاورية للقوى المناهضة للإحتلال على مدى سنوات وأسفرت عن وضع المعالم الرئيسة لسقف المشروع الوطني.

وأصدرت الهيئة في عام 2009 كتابها المعروف (الهيئة والمشروع الوطني) الذي وثقت فيه الجهود المتقدمة ، ومن ثم سعت الهيئة لتطوير جهودها في هذا المجال، فكانت رعايتها للقاء التشاوري المنعقد في لندن في حزيران 2014 م مع نخبة خيرة من أبناء العراق الغيارى وبمختلف توجهاتهم ومذاهبهم وأطيافهم، وأكدت الهيئة من خلال مساهمتها في مقررات هذا اللقاء على التمسك باستقلال العراق التام ووحدة أراضيه واستناد سياساته وقراراته في التنمية على المصالح المشتركة لمواطنيه بعيدا عن التبعية لدول الجوار أو الإقليم، مؤكدة على إن أرض العراق كلها وما عليها وما تحتها من ثروات حق ثابت لكل الشعب العراقي وملك عام لهم جميعا، وكلنا كعراقيين مسؤولون عن تنمية وحماية هذه الثروات من العدوان الخارجي والداخلي، ومن هدرها أو قصر منافعها على فئة أو عرق أو طائفة.

ثم رأت الهيئة بما لها من وضع معنوي واعتباري في نفوس العراقيين أنْ تبادر إلى إطلاق مبادرة لمشروع وطني، فكان إعلان مبادرة (العراق الجامع) في 15/8 /2015 م على أساسٍ مهم جدا وهو أن تبادر الهيئة بدعوة القوى الوطنية للاجتماع والتوحد وفق صيغة التشاور، ومن ثم صيغة العمل الجبهوي في إطار مؤتمر وطني تكون فيه الهيئة رقما مع الارقام العراقية الخيّرة للشروع في هذا العمل الوطني المهم، وجزءًا منه، وجعلت الهيئة مرحلة كتابة الميثاق أحد الأركان الأربعة لمبادرتها هذه.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أهم السمات التي أكدت عليها الهيئة في دعوتها لكتابة المشروع الوطني، وتتمثل في الحفاظ على هوية العراق الجامعة لكل مواطنيه على حدّ سواءٍ في الحقوق والواجبات وعلى التمسك بوحدة العراق أرضا وشعبا ونظاما سياسيا، ورفض أي خطة ترمي بأي شكل من الأشكال إلى تقسيمه أو تجزئته أو تفتيته مهما كان مصدرها أو مسمياتها أو مسوغاتها أو أغطيتها.

إن دعوة الهيئة للوحدة الوطنية بين العراقيين بعيدًا عن الزمر الحاكمة والمتسلطة على رقاب العراقيين؛ واتخاذ هذه الوحدة شعارا وهدفا ثابتا؛ يعني وبكل وضوح ما يأتي:

1-  إن هذه الدعوة لا تمثل خروجا عن أي سياق ديني أو تأريخي؛ لأن الهيئة تؤمن أنّ تمكين المبادئ دينية كانت أو غير دينية لا يتحقق إلا على أرض مستقرة يعيش أهلها بسلام ووئام .

2-  إن وحدة العراق والذي هو جزء مهم من محيطه العربي والإسلامي، تعني بالضرورة استقرارا لهذا المحيط، الذي هو عمقنا وداعمنا في الوجود والبقاء .

3-  إن خطر تقسيم العراق وتفتيت وحدته يعني أنه سيكون مثالا لتقسيم المنطقة على أسس مذهبية وعرقية، مما سيجعل العراق منطلقا لهذا الشر المستطير، الذي سيعم المنطقة بالكامل.

4-  إن الدعوة إلى الوحدة الوطنية بين مكونات الشعب العراقي تعني الدعوة إلى العدل والإنصاف بين أبناء هذا الشعب، الذين وجدوا فيه قبل وجود الأديان أو المذاهب أو الأفكار السياسية أو الإجتماعية، وعاشوا على أرضه متحابين متآلفين تجمعهم وحدة الهدف والمصير.

5-  إن هذه الدعوة هي جدار الصد لمخطط الأعداء، الذين يريدون الشر بهذا البلد من خلال تقسيمه وتشريد أهله، فكان لابدّ من سلاح مناسب لدفع هذه النوايا الشريرة، ولا أمضى من سلاح الوحدة لدفع هذا الشر عن العراق وأهله.

6-  ترى الهيئة أنّ طرح هذا المشروع في هذا التوقيت مناسب جدا؛ لأنّ الظروف الإقليمية تعيش حالة من الإرتباك والتشويش في الرؤى والمواقف، وكذلك القوى الوطنية العراقية تعيش حالة من التجاذب يصل إلى حد الإصطدام وعدم الثقة على الرغم من أنّ هذه القوى تريد في طروحاتها مصلحة العراق، فكان لابد من أرضية صلبة مشتركة يقف عليها الجميع وتكون منطلقا يوحد ولا يفرق، وأساسا لتقييم الصالح من الطالح ، فكانت هذه المبادرة لكتابة هذا الميثاق.

 وأخيرا: تحرص الهيئة على التأكيد أنها وإنْ كانت صاحبة المبادرة لكتابة هذا المشروع؛ إلا أنها لن ترضى إلا بمشاركة جميع الخيرين في هذا البناء الكبير، ولهذا قامت الهيئة بمفاتحت جميع الأطراف التي تعتقد أنها تؤمن بمشروع الوحدة الوطنية كمشروع للخلاص وإتمام التحرير ليكونوا حجر أساس مهم لكتابة هذا الصرح والعقد الإجتماعي، وإنها تؤكد للجميع أّن جهة واحدة أو شخصا واحدا لن يستطيع وحده أن يقوم بمثل هذا العمل، وإن اشتراك المخلصين واجب وشرف لا تمنُّ الهيئة به على أحد، فالعراق وطن الجميع وهو بيت الجميع وكلّ ٌ له الحق في المساهمة في بنائه وإعلاء صرح حضارته واستقراره. قال تعالى: (إنّ الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنّهم بنيان مرصوص).

يقين نت

ب ر

تعليقات