الأحد 22 يوليو 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

موازنة 2018 والموسم الانتخابي في العراق

موازنة 2018 والموسم الانتخابي في العراق

يثير الترابط بين تعطيل إقرار الموازنة واقتراب موعد الانتخابات العديد من علامات الاستفهام حول أداء النظام السياسي وطبيعة العلاقة الهشة بين السلطة البرلمانية والحكومة، رغم انبثاق الأخيرة من الأولى. ويعيد المشهد الحالي إلى الأذهان إخفاق البرلمان العراقي في إقرار قانون موازنة عام 2014، رغم شهور من الجدل والنقاش بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. ومع اقتراب انتخابات 2018 يتكرر المشهد مجددا، وغالبا لنفس الأسباب، ولكن هذه المرة في إطار أكثر شيوعا للفساد والابتزاز السياسي.
حيث تحاول الكتل البرلمانية جاهدة الحصول على الجزء الأكبر من “المكاسب المشروعة” لناخبيها لضمان الاستحواذ على الصوت الانتخابي، و”غير المشروعة” لأجل مضاعفة إيرادات اللجان الاقتصادية؛ نظرا للتكاليف اللازمة من أجل الاستحواذ على الصوت الانتخابي “أيضا”.
وتبدو فرص إقرار الموازنة الاتحادية ضئيلة جدا بسبب الخلاف المتصاعد بين حكومة العبادي ومعظم الكتل السياسية في البرلمان. إذ يبلغ عدد ملاحظات القوى السنية حول مشروع الموازنة (12) ملاحظة تتعلق معظمها برفع حصة المناطق المحررة في الموازنة العامة وتمويل برامج البناء والاعمار، في حين تثبت الكتل الكردية (٩) ملاحظات يتركز جزء منها في رفع حصة الإقليم وصرف الرواتب وغيرها، أما اعتراضات المحافظات المنتجة للنفط في الوسط والجنوب؛ فقد تمحورت حول حصة (البترودولار)، وهل يُدفع لها مبلغ (5) دولار عن كل برميل أم (5٪) من قيمة كل برميل منتج؟ أو منحها مبالغ على شكل سندات مستقبلية تدفع حين تتحقق الوفرة المالية لدى الحكومة.
مشروع موازنة 2018 في إطار الموازنات المتعاقبة

“تبدو فرص إقرار الموازنة الاتحادية ضئيلة جدا بسبب الخلاف المتصاعد بين حكومة العبادي ومعظم الكتل السياسية في البرلمان”

يفسر الارتباط المحكم بين النفط وتمويل الموازنة في العراق جزءًا كبيرًا من التساؤل المغمور: لماذا اُقرت الموازنات العامة في العراق في إطار التوقيتات الزمنية المحددة خلال السنوات الثلاث الماضية؟ الجواب يكمن في أسعار النفط، فقد أفصحت التجربة عن وجود علاقة عكسية بين إقرار الموازنة وأسعار النفط في الأسواق العالمية. فحين ترتفع الأسعار وتتدفق إيرادات الريع النفطي بغزارة؛ يحتد الصراع حول المغانم والمكاسب التي يمكن أن تجنيها أحزاب السلطة من مختلف بنود الموازنة العامة (وهذا ما حدث في موازنات ما قبل 2014)، وتُساق كافة الحجج والأسباب تحت ذريعة الدفاع عن حقوق المواطن، وبشكل مبتذل وبعيد عن الوطنية والمصداقية والإقناع في أحيان كثيرة. ويحدث العكس تماما حين تتدهور أسعار النفط، فقد أدى انهيار الأسعار إلى إقرار الموازنة العامة بشكل سلس وسريع عام 2015، نظرا لانحسار الدولارات النفطية المولدة للتجاذبات والمناكفات السياسية.
وتكرر المشهد أيضا في موازنة 2016 وموازنة 2017، حيث تم إقرارها بالتوقيتات المحددة. ومع تعافي أسعار النفط الخام وملامسة عتبة (70) دولار نهاية العام 2017 بدأ الصراع مجددا حول بنود وتخصيصات الموازنة العامة، من دون الالتفات إلى الطبيعة المتقلبة لأسعار النفط، أو إلى الدَّين العام المتراكم (قرابة 120 مليار دولار)؛ بسبب أزمة هبوط إيرادات النفط.
ما المطلوب من الحكومة؟
تتمثل أبرز التحديات المالية في العراق في استمرار اعتماد الموازنة العامة على النفط، بنسبة الثلثين على الأقل، وهو منهج البلدان النفطية بشكل عام، وحكومات العراق المتعاقبة بشكل خاص. إذ لم تغتنم الحكومة المركزية فرصة هبوط أسعار النفط خلال السنوات الماضية بشكل مناسب لإرساء مبادئ سيادة القانون وتفعيل الإيرادات غير النفطية، كالضرائب والرسوم وإعادة النظر في إيرادات عقارات الدولة، وتقليص حجم المؤسسات والشركات العامة المترهلة والمعتمدة على الموازنة في تحقيق الديمومة والبقاء، عبر زجها في شراكات مع القطاع الخاص.
من جانب آخر، لا يزال غياب برامج واستراتيجيات الإصلاح الاقتصادي في الموازنات الحكومية يشكل ضعفًا خطيرًا يهدد دور السياسة المالية في تحقيق التنمية والإصلاح، ويزيد من تعطيل أدوات الحقيبة المالية في أخذ دورها المأمول في تنشيط الاقتصاد الكلي ودفعه صوب الاستقرار والنمو الاقتصادي المستدام، بدلًا من الانكشاف المرعب على القروض وأسواق النفط العالمية.
ولا ينبغي بأي حال من الأحوال التعويل على تعافي أسعار النفط في تصميم الموازنة، بل لابد من تحديد سعر للنفط لا يتجاوز (46) دولارًا للبرميل كما جاء في نص الموازنة، على أن يراكم المبلغ المتبقي في تغذية صندوق ديون العراق الداخلية والخارجية، بدلًا من مقايضة السيادة بالقروض (كما يجري حاليًا). من جانب آخر؛ فإن انتهاج سياسة توفير الفارق بين سعر النفط السوقي والسعر المثبت في الموازنة قد يؤسس مستقبلًا لصناديق سيادية مخصصة للاستقرار وتامين حقوق الأجيال، وكما هو معمول به في العديد من البلدان النفطية.

من جانب آخر يجب الالتزام بالقاعدة الذهبية في إدارة المالية العامة، وهي أن تخصص كافة القروض العامة لتمويل المشروعات الاستثمارية، وأن تمول النفقات الجارية من الإيرادات السيادية حصرا. مع ضرورة الالتفات بأن اعتماد المنهج الحالي في تخصيص وتنفيذ النفقات الاستثمارية هو منفذ للفساد والتلاعب بالمال العام. إذا ينبغي إقرار المشاريع الرأسمالية بموجب دراسات جدوى رصينة، تُناقش مع الجهات الحكومية من جانب أطراف استشارية مختصة على أساس القيمة في مقابل التخصيص المالي، كما يجب إبرام العقود الحكومية من جهة متمرسة للخروج من الممارسات المشبوهة التي أدت إلى تلكؤ المشاريع وفشلها.

أخيرا، وبالتزامن مع انعقاد مؤتمر الكويت للدول المانحة، ينبغي الإشارة بأن الصراع الدائر بين الحكومة والبرلمان وتنامي شبهات الهدر والفساد التي تؤطر إدارة المالية العامة في العراق، وتعرقل إقرار الموازنة العامة، في ظل تراجع شفافية الموازنة وغياب البرامج والاستراتيجيات الواضحة، تبعث برقية سلبية للجهات المانحة وشركات الاستثمار، قد تضعف فرص العراق في الحصول على التمويل المطلوب لإنجاز برامج البناء والاعمار، وسيحد كذلك من فرص تدفق الاستثمار الأجنبي إلى الاقتصاد الوطني؛ خشية المرور في حلقات الفساد والابتزاز التي أطرت عمل المؤسسات الحكومية ذات العلاقة.

المصدر:صوت العراق

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات