الخميس 24 أغسطس 2017 | بغداد 28° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

قراءة أولية في الموضوع الكردي.... د. مثنى عبدالله

قراءة أولية في الموضوع الكردي…. د. مثنى عبدالله

تعتبر القضية الكردية من أقدم القضايا الشائكة في الشرق الأوسط، ولا شك أنها مرت بمراحل كبيرة وكثيرة، كان للدور الإقليمي والدولي أثر كبير في رسم خطوطها العريضة وتفصيلات ملامحها.

ولم يشهد أي جزء من الرقعة الجغرافية التي يقطنها الأكراد في الشرق الأوسط، والمقسمة بين أربع دول هي العراق وسورية وإيران وتركيا، أي حالة هدوء طوال عقود ماضية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، قاتل الأكراد السلطة المركزية في العراق منذ العهد الملكي في العشرينيات وحتى ما بعد الغزو عام 2003. دليل ذلك هو أن المشكلة ليست في النظام السياسي القائم في تلك البلدان، بل في أهداف وتطلعات الحركة الكردية. وبالتحديد في هذا الجانب، فإنه لا يمكن إلقاء اللوم على الأكراد كشعب، بل على الظروف الذاتية للحركة الكردية، وارتباطاتها بقوى خارجية استخدمتها كورقة في الصراع الدائر في المنطقة، لذلك غالبا ما كان سقوط الحركة الكردية المسلحة يأتي عند تخلي الأطراف الدولية أو الإقليمية الحاضنة لها عنها، كما حدث في معاهدة عام 1975 بين العراق وإيران، التي أدت إلى انهيار تام لهذه الحركة وهروب قياداتها إلى الخارج، لكن الحراك الكردي اليوم قوي في البقع الجغرافية الأربع التي يتواجدون عليها، وهذه القوة وصلت إلى درجة لا يتمكن فيها أن يبقى من دون التوصل إلى نهاية، والنهاية في الذهنية الكردية هي قيام دولة كردية. وبغض النظر عن التصريحات الودية والسلمية لبعض الساسة الأكراد فإن هذه المسألة ستطرح قريبا، خاصة في العراق.

ففي هذا البلد استغلت القيادات الكردية الوضع السياسي بعد حرب عام 1991، حيث انهارت سلطة الدولة على شمال البلد وتفتت قبضتها الامنية والعسكرية، فسارع الاكراد لتحقيق مكاسب سياسية وجغرافية، مدفوعين بتغيير موازين القوى على الساحة وليس بجهدهم العسكري. في تلك اللحظة برز الاهتمام الامريكي بهم كقوة تساعد في الدفع اللوجستي في عملية الغزو ومشروع الاحتلال. وفي هذا الموقف بالذات نجحت القيادات الكردية بوضع نفسها كحصان طروادة، حيث يمكن المراهنة عليهم في إحداث موطئ قدم ثابت ومأمون، ولاحقا نجحوا أيضا في تقديم أنفسهم بأنهم القاعدة الامينة والمضمونة للامريكان، مهما تغيرت الظروف السياسية في العراق. مقابل هذا الجهد الكردي حرص الامريكان على خلق أرضية كردية سياسية داخلية منسجمة نوعا ما بين الحزبين الرئيسيين، حزب مسعود بارزاني وحزب جلال طالباني، اللذين يتشاركان تاريخا طويلا من الصراعات السياسية والعسكرية وحملات التخوين. وكان الهدف الامريكي من ذلك، هو إبقاء الاكراد قوة يمكن استغلالها إن حنث الساسة الشيعة بالعهد وارتموا في الحضن الايراني إلى حدود غير متفق عليها، أو تتجاوز الاتفاق الامريكي الايراني في الشراكة السياسية في العراق. ومع ذلك يمكن القول بأن الامريكان فشلوا مرات ونجحوا في أخرى في هذا المجال. وقد أبلى الاكراد بلاء حسنا في هذا الجانب، فعلى الرغم من أنهم سُنّة في التصنيف المذهبي، لكنهم غادروا الموقف المذهبي واتفقوا مع أحزاب الاسلام السياسي الشيعي على تقاسم السلطات السياسية، وشاركوا مشاركة فعالة في كتابة الدستور كي يضمنوا مطاليبهم الخاصة، مستغلين أمية الوعي السياسي للحكام الجدد. كما حاولوا عدم إعطاء السُنّة أي امتيازات أو حقوق سياسية مهمة، وبقوا يحذرون من ذلك، بحجة أن السُنّة قوميون يجب عدم الاطمئنان إلى توجهاتهم حتى إن كانت مؤيدة للغزو والاحتلال. في الوقت نفسه حاولوا وضع السُنّة في عجلة سياستهم لاهداف مستقبلية ضد الشيعة، حيث غازلوا أحزاب الاسلام السياسي السُنّي، وأقنعوهم بأنهم سيبقون القاعدة الآمنة لهم إن حل بهم غدر من الطرف الاخر، وقد وفوا بذلك مع نائب الرئيس العراقي السابق ومع غيره من الزعامات الحزبية السُنّية. وكي يبقوا قاعدة أمريكية مهمة، قاموا باستغلال موضوع النفط المستخرج من الشمال، وتصديره عبر الأنبوب الذاهب إلى الموانئ التركية عبر الاراضي التي يسيطرون عليها، بعد أن نجحوا في خلق بنى تحتية جاذبة للشركات العالمية، من خلال حالة الأمن المستتب، ووضع قوانين استثمار مشجعة، وقانون نفط يضمن النصف للشركات الموقعة معهم.

أما في تركيا فإن القضية الكردية هي مشكلة سياسية حادة أيضا، وقد شهد هذا الملف محاولات عديدة تارة للقضاء عليها، خاصة عندما شن الجيش التركي أكبر عملية ضد الاكراد عام 1995، شاركت فيها مجموعات كبيرة من القوات استمرت لمدة سنة تقريبا، وتارة أخرى لشرعنة الحركة القومية الكردية في تركيا، حتى أن حزب العمال الكردستاني التركي حاول الابتعاد عن طريق الكفاح المسلح، والعمل مع بقية الاحزاب الكردية، لتحقيق أهداف الحركة القومية الكردية، داخل الحياة السياسية التركية. وقد بقيت مسألة تفعيل القضية الكردية خارج إطار الدولة التركية أمرا حساسا وموجعا للسلطة التركية, ووقفت على الدوام ضد أي سياسة انفصالية كردية، في الوقت نفسه عملت في سياسة تشكيل أيديولوجية وطنية يكون الأكراد فيها جزءا في دولة وطنية تركية، وهي مازالت تسعى لابقاء هذه القضية في إطار الدولة وحلها بجهودها الخاصة ومنع أي مساع للانفصال. وغاية الاتراك هي أن يستخدموا التيار الكردي في المنطقة لمصالحهم، خاصة بعدما أنيب بهم استنهاض الدور لاحتواء التيار الشيعي، وهم في كل الاحوال يديرون لعبتهم الخاصة، ويريدون أن يكون لهم دور عثماني جديد في إعادة التشكيل، وربما يفكرون في جمع أكراد العراق وسوريا في دولة عثمانية جديدة. فعلى الرغم من أنهم يخشون من مناطق حكم كردي في العراق، لكنهم قبلوا بها في ما بعد إلى الحد الذي وصل فيه حجم التبادل التجاري بينهم إلى أربعة مليارات دولار، ونصف الشركات الاجنبية العاملة في شمال العراق هي تركية، وهو موقف براغماتي يستغل الوضع السائد لكسب أوراق ضغط ومصلحة، على الرغم من أنه مر وقت توقّع فيه الجميع حصول مصالحة تاريخية بين الاتراك والاكراد في تركيا، لكن ذلك لم يحصل وتبخرت كل الاحلام.

وعلى الرغم من أن الاكراد موجودون في إيران وسوريا، لكن حراكهم في هذين البلدين بقي أخف وطأة من العراق وتركيا. ففي إيران يوجد حزب بيجاك الكردي الذي يتحرك بين الحين والاخر ضد السلطة، كما برزت الحركة الكردية في سوريا مستغلة الحرب الدائرة هنالك لتحقيق مصالحها، حيث عقد في أربيل لقاء تأسس فيه المؤتمر الوطني لاكراد سوريا برعاية أكراد العراق، مثلت فيه 11 حزبا كرديا، وأعلن مسعود بارزاني تقديم الدعم والمساعدات لاكراد سوريا.

يجب الاشارة هنا إلى أن القضية الكردية مهمة جدا لاسرائيل، وهي لن تدعها تفلت من يدها في هذه المنطقة المهمة جدا لأمنها، خاصة أن التواجد الكردي في مناطق معينة يعني قواعد جاهزة لاسرائيل، قد تستخدمها ضد تركيا، فعلى الرغم من عدم وجود ما يشير إلى تعاون بين حزب العمال الكردستالني التركي وإسرائيل، لكن عقب التوتر الذي حصل بين تركيا وإسرائيل بموضوع السفينة التركية التي حاولت كسر الحصار على غزة، حصلت تفجيرات في تركيا من قبل ما يسمى صقور تحرير كردستان. كما أن الاتجاه الاسلامي التركي الذي يحاول بناء قاعدة زعامة له في الشرق الاوسط مبتعدا جزئيا عن إسرائيل، هو عامل آخر في الاتجاه الكردي ضد تركيا، إضافة إلى أن إسرائيل تستفيد من هذه القواعد عند حدوث أي تغيرات مهمة قد تحصل في الوضع السياسي في الشرق الاوسط.

يقين نت

ب ر

تعليقات