الأربعاء 23 مايو 2018 | بغداد 16° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

هذه الانتخابات و"المؤشر العربي"

هذه الانتخابات و”المؤشر العربي”

للنظر في نسب المشاركة في الانتخابات العربية أهمية كبرى لا تقلّ، وإنْ على صعيد الدرس والتحليل، عن أهمية النظر في نتائج هذه الانتخابات وأوزان التشكيلات والتيارات السياسية والمدنية الفائزة والخاسرة. والظاهر أن حاجة الأنظمة العربية، المهتزّة خصوصا، إلى الكذب بشأن نسب الإقبال ربما تفوق حاجتها إلى نجاح من تريد أن ينجحوا، وسقوط من يُراد لهم أن يسقطوا. والمؤكّد أن التناقص المضطرد في نسب المشاركة في الاقتراع يكشف أن التدهور العريض في ثقة المواطن العربي في المؤسسات البرلمانية والتمثيلية مستمرٌ وبفداحة. ومن المصادفات الكاشفة، والمحمودة ربما، أن إعلان المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات نتائج استطلاع الرأي الذي يُنجزه سنويا، المؤشر العربي 2017/2018، يوم الأربعاء الماضي، تصادف مع انتظام ثلاثة اقتراعات في ثلاث دول عربية، وجاءت فيها نسب الإقبال المتدنية لتتسق تماما مع واحدةٍ من أهم نتائج هذه الاستطلاع الأوفى والأشمل عربيا، وهي أن ثقة المواطن العربي في البرلمان في بلده هي الأقل (14% ثقة كبيرة، 28% إلى حد ما) بعد ثقته العالية نسبيا بالجيش (68% ثقة كبيرة، 22% ثقة إلى حد ما)، ثم الأمن العام (36% و39%) ثم جهاز القضاء (26% و33%) ثم الحكومة (22% و33%). وهناك تفاصيل أخرى تتعلق بتقييم المواطن العربي لأداء المجالس التشريعية في واجبها بالرقابة على الحكومات، وتتعلق بالبلدان العربية نفسها (المصريون هم الأكثر ثقةَ بالبرلمان والأردنيون هم الأقل).

“دعاة مقاطعة هذه الانتخابات نشطوا جيدا في مناوأة العملية الانتخابية برمتها”

دعك من نسبة 41% للمشاركة في انتخابات الرئاسية المصرية في مارس/ آذار الماضي التي أعلنتها السلطة الحاكمة، فهي غير صادقة على الأرجح. وانظر إلى نسبة المشاركة في الانتخابات البلدية في تونس الأسبوع الماضي، والتي أعلنتها الهيئة العليا للانتخابات، 33.7%. وهي نسبة تصويت مُحبطة، بل يمكن القول إنها مفزعة، سيما وأن نسبة التصويت في أول انتخابات نيابية بعد الثورة في العام 2011 كانت 52% (وهي قليلة)، ذلك أن هذه الانتخابات المحلية هي الأولى من نوعها بعد الثورة، عدا عن أنها لاختيار ممثلي مجالس محلية معنية بتوفير الخدمات في الحياة اليومية للمواطنين. وكان التوقع الذي سبق إجراء عملية الاقتراع أن يكون الإقبال أوسع، وأن ينشأ منها مشهدٌ يدل على مستجدٍّ مهم في خريطة توزّع التشكيلات الحزبية القائمة في البلد. ويمكن إرجاع أمر ضعف الإقبال على التصويت إلى مقادير اليأس الثقيلة من أداء عموم الأحزاب، فيما يخص حل المشكلات الاقتصادية الحادّة، خصوصا بشأن الشباب.

أما في العراق، فبحسب مفوضية الانتخابات، في إعلان أولي لها، بلغت نسبة التصويت، في الانتخابات النيابية التي جرت الأسبوع الجاري، نحو 44% ممن يحق لهم التصويت، وهي نسبة يشكك فيها كثيرون، يقولون إن النسبة بالكاد وصلت إلى 25%. والمعلوم أن دعاة مقاطعة هذه الانتخابات نشطوا جيدا في مناوأة العملية الانتخابية برمتها، والتي لم تتوقف بصددها مقالات الرأي التي نشرت عن الطائفية الفائضة في هذه العملية كلها، وعمّا يحفّ بمرشحين متنافسين من سوء السمعة والتورّط في الفساد. وتؤشر نسبة التصويت المعلنة  إلى ضعف الإقبال العام، على الرغم من الإنفاق العالي الذي صرفه مرشحون كثيرون، ومن النشاط الدعائي الرسمي باتجاه دفع من يحقّ لهم التصويت إلى صناديق الاقتراع.

“حالة تآكل احترام المواطن العربي المؤسسات التمثيلية في بلده تزداد حدةَ”

وفي لبنان، أُعلن أن نسبة الاقتراع في الانتخابات النيابية التي انتظمت الأسبوع الماضي بلغت 49%، وقد جرى الاقتراع بموجب قانون جديد (التمثيل النسبي)، طالما دعت إلى ترسيمه تشكيلاتٌ مدنيةٌ واسعة، صدورا عن رؤيةٍ تعتبره صيغةً متقدمةً يتخفّف منها لبنان نسبيا من ثقة الحسابات المذهبية والطائفية في عملية التصويت، وهو ما لم يتأكّد عمليا. وكانت نسبة الإقبال في انتخابات 2009 هي 54%. ولبنان في “المؤشر العربي” المعلن أخيرا متدنّي المنزلة بشأن تقييم المواطن فيه بأداء البرلمان في واجبه الرقابي على الحكومة (10 من 11 دولة).

الموجز الأوضح في المسألة أن حالة تآكل احترام المواطن العربي المؤسسات التمثيلية في بلده تزداد حدةَ، وذلك بينما يقيم المواطن نفسه على قناعةٍ بأن النظام الديمقراطي هو الأنسب للحكم في بلده.. ولكن، يبدو أن الديمقراطية التي يشتهيها لا تتمثل بالطبقة السياسية التي قدّامه، ووجوهها المكرّرة، والمعاد استنساخها مرة بعد مرة.

المصدر:العربي الجديد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات