الخميس 29 يونيو 2017 | بغداد 33° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

فشلت "الدولة" لا النظم السياسية فقط.....طلعت رميح

فشلت “الدولة” لا النظم السياسية فقط…..طلعت رميح

لم تفشل النظم السياسية فقط، بل فشلت “الدولة” التي تأسست منذ مطلع حقبة الاستقلال في المجتمعات العربية، أو يمكن القول بأن أخطر ما كشف النقاب عنه في تجليات الأحداث الراهنة هو أن المجتمعات العربية وجدت نفسها متأخرة في إدراك، أنها لم تكن تعيش في ظل كيانات ومؤسسات دول أصلا. ففي ضوء تجربة الربيع العربي الديمقراطي، ينبغي الاعتراف بأن مشكلة الدول والمجتمعات التي تشكلت أو استقلت عن بعضها البعض بعد انتهاء ظاهرة الاستعمار العسكري، هي أن النظم السياسية التي وصلت إلى الحكم أو قادت تجربة ما بعد الاستقلال، هي ذاتها من أشرفت على صياغة مؤسسات الدول. هي من حددت صلاحياتها وقواعد دورها، وبالأحرى هي من حددت مقاسات بناء أجهزة الدولة في كل كيان عربي عند حدود مصالحها، فأصبحنا أمام دول مشوهة ولم نعد فقط أمام نظم سياسية مشوهة فقط. كانت دولة ما قبل الاستقلال هشة، وموجودة بالكاد لخدمة المستعمر، وجاءت الدولة الجديدة لخدمة النظم أو النخب الجديدة لا لخدمة المجتمع كما تقتضي أصول تشكيل مؤسسات جهاز الدولة.

تلك الحقيقة هي أخطر ما كشف النقاب عنه خلال تعقيدات أحداث الربيع العربي، إذ حين أطاحت الثورات برأس النظام في كل دولة، لم تجد النخب ولا المجتمعات جهاز دولة قابل للحياة أو التعايش مع النظام السياسي الجديد الذي وصل للحكم بعد التغيير بآليات الثورة للقديم وتحديد النظام السياسي الجديد وفق أو باعتماد آليات الديمقراطية. وظهر للناس وهم تصوراتهم عن وجود مؤسسات دولة لخدمة المجتمع والحفاظ على أمنه واستقراره، وليس ما يقال عن حكايات الدولة العميقة إلا أحد أوجه الصدمة التي انتابت النخب والمجتمعات العربية، أما الوجه الكامل والشامل للصدمة، فقد تجلى في اكتشاف عدم وجود مؤسسات حقيقية من الأصل، بل حالة من تشكيلات هلامية، ولعل تجارب سوريا وليبيا واليمن كانت عنوانا بارزا للغاية في هذا المجال.

لقد اكتشف اليمنيون أن الدولة التي تصوروها دولة عتيدة، لم تكن سوى مؤسسات ترتبط بالحاكم وتعمل في خدمته وترتبط مصالحها به، وولاؤها له مقدم على ولائها للمجتمع، ولذا تمكن الحوثيون وصالح من تشكيل سبيكة قوية لانقلابهم.

وفي ليبيا لم يجد الليبيون حتى الملامح الهيكلية لأجهزة الدولة، ولم يبق لديهم إلا الجهاز القضائي وبعض من الجهاز العسكري، وفي ذلك لم يكن وجود وصمود البنك المركزي مرتبطا بكينونة الدولة “الوطنية أو المحلية” بل كان مرتبطا بقواعد ومصالح النظام الاقتصادي الدولي والمؤسسات الدولية التي حمته وحققت بقاءه وجعلته خطا أحمر يصعب الاقتراب منه.

وفي الحالة السورية كان الأمر مروعا، إذ وجد السوريون أن إطاحة رأس النظام لا يمكن أن تجري إلا بإطاحة أجهزة الدولة بحكم البعد الطائفي لجهاز الدولة لا النظام فقط.

تلك هي الحقيقة المرة التي كشف الربيع العربي عنها، وفي ذلك وضعت المجتمعات أمام خيارات معقدة ومزعجة بل ومرعبة. فقد تسببت حالة الارتباط الكامل بين الدولة والنظام السياسي –أو شخص الحاكم ومنظومة مصالحه- إلى انفراط الدولة في لحظة سقوط ومقتل رأس النظام واعتقال أولاده – وقد كانوا عناوين رؤوس سيطرة الأب على أجهزة الدولة- بما كشف تحديا أمام الثورة والنخب والمجتمع بإعادة بناء الدولة من جديد على أنقاض الدولة القديمة في ليبيا. وفي الحالة السورية كشف الغطاء عن أن لا دولة، بل مجموعة كيانات وأشباه مؤسسات ترتبط بشخص الحاكمة وبرؤيته الطائفية، وأن رأس الحكم هو كل شيء لا الدولة ولا النظام السياسي. اكتشف الناس أن ما كانت تعيشه سوريا هو مجرد تشكيلة لا وظيفة مجتمعية لها بقدر ما لها من وظيفة الحفاظ على بقاء الحاكم وأولاده من بعده.. حكاما.. إلخ.

يقين نت + وكالات

 

ب ر

تعليقات