الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 | بغداد 21° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

عراق ما بعد الاحتلال الرباعي أم ما بعد «داعش» فقط؟....هيفاء زنكنة

عراق ما بعد الاحتلال الرباعي أم ما بعد «داعش» فقط؟….هيفاء زنكنة

ما الذي سيحدث في عراق ما بعد «الدولة الإسلامية» (داعش)؟ هل سيبقى العراق ذاته الذي نعرفه أم سيتم رسمه بشكل دويلات، بحدود يفرضها « المنتصرون» وهم كثر؟ محليا، هناك الساسة المتصارعون من شيعة وسنة وعلمانيين، وكرد وتركمان وإيزيدين، وكل جهة لها ميليشياتها أو تنضوي تحت مظلة ميليشيا متنفذة، وتعرض خدماتها للقوى الخارجية. إقليميا : اللاعبان الرئيسيان بحضور عسكري على الأرض هما : إيران وتركيا. دوليا: أمريكا وبريطانيا وروسيا التي مدت رجلها، مؤخرا، في السرير، لتحصل على مكان عبر عقد صفقات أسلحة القتل مع الحكومة الفاشلة. العراق محتل، إذن، من قبل أمريكا وإيران وتركيا و»داعش».

ساسة الحكومة العراقية، أطلقوا مبادرة جديدة لـ«المصالحة الوطنية»، برعاية زعيم كتلة «التحالف الوطني» عمار الحكيم ومباركة مقتدى الصدر. تتضمن المبادرة « تسوية تاريخية» تعمل فيها الأحزاب الشيعية المكونة للتحالف مع بقية القوى السياسية على إقرار مبدأ «لا غالب ولا مغلوب»، تصفير الأزمات بين القوى السياسية العراقية، وأخيرا رفض استخدام العنف كوسيلة لتحقيق الأهداف السياسية».

يطبل «التحالف الوطني» لهذه المبادرة باعتبارها وثيقة تاريخية تشكل طريق الخلاص لعراق ما بعد «داعش». متعامين عن حقيقة أولا: أن هذه المبادرة واحدة من عشرات سبقتها، يطلقها الساسة بين الفينة والفينة لأغراض دعائية، بلا تطبيق.

ثانيا: أن «داعش» لم يحتل العراق عام 2003، وإنْ يحاول الساسة تعليق كل الخراب عليه بالإضافة إلى ما ارتكبه منذ يونيو/حزيران 2014. أي منذ عامين ونصف وليس منذ 13 عاما، عندما انخرطوا بالاحتلال وما سببه من فساد وطائفية وولاء غير وطني أدى إلى بروز المنظمات الإرهابية التي يدعون محاربتها، مما يجعل السؤال الصحيح هو ماذا عن عراق ما بعد الاحتلال؟

من الوطنيين الذين شخصوا مأساة العراق وساهموا في محاولة إيجاد حل هو وميض عمر نظمي، أستاذ العلوم السياسية، على مدى عقود، في جامعة بغداد، والذي رحل عنا مؤخرا. كتب في افتتاحية العدد الأول من صحيفة « التيار» – منبر المعارضة الوطنية والديمقراطية للاحتلال – قائلا: «وأكثر ما يحزن النفس هو انخراط عدد من القوى السياسية العراقية في تأييد الاحتلال واعتباره تحريرا من الاستبداد، وكأن شعب العراق العظيم لا يملك سوى خيارين إما الاستبداد السياسي أو الاحتلال الأجنبي، الذي يرتبط بالضرورة بأعلى أشكال الاستبداد الوحشي والفساد والتبعية».

لم يكن الأستاذ وميض ممن يلوكون الكلمات جزافا، وهو الذي تخرج على يديه خيرة أساتذة العلوم السياسية، وبقي وطنيا مؤمنا بإمكانيات الشعب وقدرته على التغيير، مميزا ما بين الشعب و»القوى السياسية» التي تدعي تمثيله، وهي تزحف لتقبيل بسطال المحتل. صدر العدد الأول من الصحيفة، ببغداد، يوم الخميس 9/ 4/ 2009، في الذكرى السادسة للغزو، وكان عنوان الافتتاحية « 9/ 4 يوم العار الوطني»، رثى فيها سقوط بغداد « تمر علينا ذكرى تثقل القلب والضمير، وتشوه صورة التاريخ والمصير، ذكرى سقوط بغداد تحت الدبابات والحراب الأمريكية، وسقوط المغزى الحقيقي لكلمات الاستقلال والسيادة، بغداد عاصمة المنصور والرشيد وجعفر الصادق وأبو حنيفة النعمان والشافعي، بغداد عاصمة الحضارة والخلافة الإسلامية العربية لسبعة قرون».

الملاحظ، عند مراجعة أعداد « التيار»، بكادرها الأكاديمي الوطني ومواقفها المستقلة، أن الصحيفة كانت من أوائل من دعا إلى ضرورة تأسيس «تحالف تاريخي» لمواصلة الكفاح ضد المحتل « تحالف يمتد من اليمين المستنير إلى فصائل اليسار الوطنية من قوى وطنية، وإسلامية، وعروبية، ويسارية، وليبرالية (غير متأمركة)، تحالف تاريخي يضع نهاية حاسمة لسياسات الاحتلال من فرق تسد، ومن إفساد الضمائر، وتغييب الدولة، وإثارة الفتن الطائفية، ونشر الفساد، وغياب للخدمات وسحق لفقراء الناس ومجاهدي الشعب». لم تلق هذه الدعوة استجابة من قبل «القوى السياسية» الحاكمة، لماذا ؟

يقول أستاذ وميض «إن الخطيئة الفادحة لبعض القوى السياسية في العراق التي انخرطت في عملية الاحتلال هو تخليها عن أبسط واجباتها النضالية في الاعتماد على الذات وعلى شعب العراق، وفي ارتهانها لقوى الأجنبي وقبولها باحتلاله كأداة للتغيير بدل الثورة الشعبية أو العصيان المدني أو حتى انقلاب داخلي عسكري، وما زالوا حتى هذه اللحظة أسري ارتهان قضايا العراق للأجنبي»، مبينا بحنكته السياسية مدى الاستخفاف بمفهوم الديمقراطية المطبقة بالعراق «وهل من الديمقراطية في شيء إثارة النعرات الطائفية، والعرقية، وتقسيم المجتمع، وجعل أبنائه يقاتلون بعضهم بعضا؟ وهل حدث في التاريخ المعاصر والحديث والقديم تهجير جماعي واغتيالات مذهبية ومذابح دينية كالتي حدثت في عهد الاحتلال الأمريكي خلال السنوات المنصرمة؟»

وردا على المنخرطين بالعملية السياسية بحجة الإصلاح من الداخل يقول»وإذا افترضنا حسن النية لدى بعض من انخرطوا في العملية السياسية أملا في إصلاح الأمور، فهل تمكنوا من تغيير الممارسات في شيء ما، ومن تعديل التوازنات على أي مستوى أم أنهم سقطوا في فخ حسن النوايا الذي يكشف عن غباء سياسي مفرط أفقدهم حتى مصداقيتهم ولم يجنوا غير فتات الموائد؟»

بعيدا عن مناورات هذه القوى، يبين فقيدنا «أن المهمة الوطنية الجليلة لتحرير العراق ووضع الأسس الثابتة لبنائه بالديمقراطية والاستقرار يجب أن تكون من صنع أبناء العراق، كل أبناء العراق. إن التحالف الإمبريالي ـ الصهيوني ـ الرجعي، لم يعلن يوما جمعية خيرية تهب الناس الحرية والديمقراطية. ألم يتعض بعض العراقيين بالانقلابات العسكرية الأمريكية الدموية التي أدت إلى إسقاط أنظمة برلمانية ديمقراطية كما حدث لآرنز في غواتيمالا، ومصدق في إيران، وأليندي في تشيلي؟»

وما هو الحل؟ يقول أستاذنا الراحل « فلنناضل جميعا ضد الاحتلال ونفوذه وقواعده، ولنعتصم بالعروة الوثقى (الوحدة الوطنية) فهما السبيل الوحيد للخلاص والانعتاق والتحرر والبناء»، بشرط وجود النية الصافية.

يقين نت

ب ر 

تعليقات