الأحد 20 أغسطس 2017 | بغداد 29° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

صفحة الرُعب المقبل في تلعفر العراقية.... د. مثنى عبدالله

صفحة الرُعب المقبل في تلعفر العراقية…. د. مثنى عبدالله

كل يوم يمر من أيام معركة الموصل، يكشف أهداف كل الأطراف المشاركة فيها، سواء المحلية أو الإقليمية أو الدولية. لكن تلعفر تبدو وكأنها الأكثر إغراء في أجندات كل هؤلاء.

فالمدينة تقع على بعد 70 كم من الموصل مركز محافظة نينوى، وهي من أكبر الأقضية العراقية، وتتمتع بموقع جغرافي فريد جعلها في مثلث الحدود العراقي السوري التركي، زاد من أهميتها الظرف السياسي الذي مر على الموصل بعد سيطرة تنظيم «الدولة» عليها، فجعلها حلقة الوصل بين الرقة والموصل، المركزين الأكثر أهمية في أجندة هذا التنظيم. وكنتيجة من نتائج هذا الوضع السياسي والعسكري، باتت الهواجس التركية والإيرانية تتقاطع تماما فيها.

في الحسابات الإيرانية ووفق النظرية السياسية الشيعية فإن تلعفر منحتها الجغرافيا والديموغرافيا قيمة استراتيجية كبرى. في الجغرافيا هي إحدى محطات مشروع الطريق الواصل بين طهران والمياه الدافئة في البحر الأبيض المتوسط على السواحل السورية عبر العراق. وفي الديموغرافيا يقال بأن أغلبيتها السكانية من التركمان الشيعة. لذا هي تريد أن يبرز دور الحشد الشعبي فيها، لأن رسم الحدود الطائفية والإثنية في العراق بات بالدم. وعندما تُرسم حدود تلعفر بهذه الطريقة من جديد، فبعد استعادتها لن يستطيع أحد أن يقرر مصيرها سوى الحشد، خاصة أنها مرشحة لان تكون محافظة وليست قضاء كما هي حالها اليوم.

وفي الحسابات التركية فإن ديموغرافيا المدينة ذات صلة وصل بالأمن القومي التركي، على اعتبار أن تركيا حامية التركمان، وأن أغلبية السكان من هذه القومية. ورغم هذا التقاطع الواضح فإن الصراع لازال بين الاذرع ولم يمتد إلى القوة المباشرة بين الطرفين، فتركيا لازالت تكتم أنفاس قواتها الموجودة في معسكر بعشيقة العراقية، على الرغم من أدعائها أنها شاركت في العمليات الحربية في الموصل، لكن أحدا لم يؤيد هذا القول. ربما هي تشير في هذا التصريح إلى مشاركة ميليشياتها السُنية المُسماة حرس نينوى، التي يقودها محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي، وتم تدريبها في معسكر بعشيقة العراقية على يد مدربين من الجيش التركي. لكن إيران وكعادتها أكثر جرأة في التحرك عبر أذرعها، فهي في معركة استعادة السيطرة على تلعفر خاصة، تريد وضع الحشد الشعبي في موقع المحرر الأول كي تضمن أن يكون الماسك بزمام الامور فيها في ما بعد، لأنها إحدى النقاط المضيئة في خريطة أهدافها الاستراتيجية، ومناطق إيران الاستراتيجية في العراق تعوّدنا أن نراها خارج صلاحيات القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء العراقي، الذي حاول مرارا أن يبتعد عن التركيز على تلعفر، لكن قيادات الحشد الشعبي كانت دائما تضعه في موقف محرج وهي تعلن عن وجودها في أي بقعة تريدها.

لابد من التذكير هنا بأن تلعفر أول المدن العراقية التي حصل فيها عنف طائفي بين التركمان السُنة والشيعة، بل إن الحرب الطائفية الاكثر شراسة قد حصلت فيها عام 2005. كما تعرضت المدينة إلى سلسلة من التفجيرات الكارثية التي حصدت أرواح المئات من سكانها، وكانت هي إحدى المدن التي قاومت الاحتلال الامريكي بإصرار كبير، ما دفع الاحتلال للقيام بحملات كبرى لاخضاعها. وقد دخل اليها تنظيم «القاعدة» مبكرا، وعندما سيطر عليها تنظيم «الدولة» نزح سكانها من التركمان الشيعة خوفا من استهدافهم. والتركمان هم ثالث أكبر قومية في العراق بعد العرب والكرد، وكان تعداد نفوسهم في كل العراق يبلغ حوالي ثلاثة ملايين نسمة. قوميا يشكو التركمان من التهميش بعد عام 2003، على اعتبار أن الوضع السياسي القائم بعد الاحتلال أعطى العرب والكرد حصة الاسد في المعادلة السياسية، لكنه تغافل عن التركمان وغمط حقوقهم كما يدّعون. معارضو هذا القول يبررون هذا الوضع باعتبار أن التركمان لم ينخرطوا في العمل السياسي والعسكري ضد النظام السابق، وأن من شارك منهم في مؤتمرات المعارضة العراقية كان بصفته الطائفية وليست القومية، لذا لا يستحقون الجائزة بعد الاحتلال، وحتى اليوم فالتركمان يوزعون ولاءاتهم بين أطراف عديدة، مع حكومة بغداد وحكومة الاكراد وإيران وتركيا، وهذا جعل تصريحاتهم متناقضة تماما. ففي حين تعلن الجبهة التركمانية في برلمان الاكراد عن مخاوفها من محاولات تغيير ديموغرافي في قضاء تلعفر، في حالة دخول ميليشيلت الحشد الشعبي إليها، وتدعو تركيا إلى تقديم الحماية لهم، نجد أن بعض الساسة التركمان المرتبطين بحكومة بغداد، يصنفون كل من بقي في تلعفر من أبناء قوميتهم على أنه منتم إلى تنظيم «الدولة»، ويطالبون بالقصاص منه. الخطورة تكمن في أن من نزح من الشيعة من تلعفر قاموا بتشكيل فصيل ميلشياوي ضمن الحشد الشعبي، وقادتهم يصرون على أن تحرير المدينة يجب أن يكون حصرا من قبل هذا الفصيل.

وفي ضوء التصريحات التي تتهم التركمان السنة بأنهم حاضنة وعناصر لتنظيم «الدولة»، فإن هؤلاء يخشون تعرضهم لابادة جماعية على يد هذه الميليشيا، وهو احتمال وارد تماما في ضوء الانفلات الذي يتبع كل إعادة سيطرة على مدينة يتم انتزاعها من أيدي تنظيم «الدولة». هذا الموقف هو الذي دفع الرئيس التركي للتهديد بأنه (إذا قام الحشد الشعبي بزرع الرعب هناك، سيكون ردنا مختلفا)، وكذلك وزير الخارجية التركي حين قال (إن تقدم الحشد الشعبي نحو مدينة تلعفر قد يشكل تهديدا لتركيا والمجموعات التركمانية في العراق، ما سيجبر تركيا على اتخاذ التدابير المناسبة). لذ فإن صفحة جديدة من الرعب قد تُفتح على هذه المدينة في ضوء التقاطعات في سلوك ومناهج أطراف عديدة، وفي ضوء شيوع روح الانتقام والثأر وتحميل الكل وزر شخص واحد. صحيح أن رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة يؤكد أن تحرير المدينة سيكون من قبل الجيش، لكن هذا الكلام يصبح مجرد تعبير إنشائي لا قيمة له، حين نرى أن الكلمة العليا هي للحشد الشعبي وليس لغيره. كما أن جلوس شيوخ العشائر التركمان من السنة والشيعة إلى طاولة واحدة كما يُحضّر له الان، كي يتداركوا العنف الطائفي المتوقع حصوله في المدينة، هو الاخر لا فائدة منه، لان زعماء العشائر هم أيضا طرف أساسي في اللعبة الدائرة بين هذه الجهة السياسية وتلك، وأصبحوا جزءا من المشروع الطائفي في العراق.

إن تظهير معركة تلعفر على الجغرافيا السياسية، ُيبين لنا أهداف إيران السياسية في الوصول إلى المياه الدافئة على البحر المتوسط عبر هذه المدينة. ويُظهر لنا هدف تركيا في خلق منطقة آمنة لحماية الاقليات من أصل تركي. كما يُظهر لنا أن الخاسر الوحيد هو العراق وأهله بكل طوائفهم وقومياتهم وأديانهم. فالنموذج المطلوب اليوم في هذا البلد هو إبقاء حدوده كما هي، لكن بوجود مناطق آمنة لطوائفه وقومياته مع رعاية إقليمية وتوزيع أدوار أمنية لهذه القوى الاقليمية فيه.

يقين نت

ب ر

تعليقات