الأحد 20 أغسطس 2017 | بغداد 44° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

يوم مناهضة العنف ضد المرأة: المعتقلات السياسيات العربيات يكتبن الحياة...هيفاء زنكنة

يوم مناهضة العنف ضد المرأة: المعتقلات السياسيات العربيات يكتبن الحياة…هيفاء زنكنة

غالبا ما تسلط الاضواء على تعنيف المرأة أسريا ومجتمعيا. هكذا تطمس قضية المرأة المعرضة لعنف الحكومة والاحتلال او كليهما معا. حيث لا يخلو بلد عربي من المعتقلات السياسيات. من الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الصهيوني إلى ضحايا الاحتلال الأمريكي والتمييز الطائفي في العراق إلى معتقلات الرأي ـ ضحايا عنف الأنظمة القمعية في تونس ما قبل الثورة ومصر وسوريا. والقائمة تطول.

أصواتهن، غالبا، مغيبة. قلما يتحدثن أو يكتبن عن تجربتهن. أما خجلا لقسوة ما تعرضن اليه، خاصة إذا ما كن قد تعرضن للاعتداء الجنسي، كما حدث للمعتقلات العراقيات في سجون الاحتلال الأمريكي حين يتم القاء القبض عليهن كرهائن لاجبار اقاربهن من الذكور على تسليم انفسهم، أو لأنهن لا يرغبن بجذب الانظار اليهن فالمحيط العائلي لايسمح بذلك، أو لأنهن يعتقدن بان ما تعرضن له في المعتقل تجربة مريرة يرغبن بتجاوزها ولن يتمكن من ذلك إلا عن طريق النسيان.

هذه الاسباب، تدفع المعتقلات إلى عالم الصمت وان يبقى الجرح غير مندمل في داخلهن. ينكسر حاجز الصمت، احيانا، حين يقوم آخرون بالكتابة عن تجاربهن، اما كشهادات تقدم للملأ في ندوات او يتم حفظها في ملفات رسمية للمطالبة في دعاوى قضائية، أو كما قال الشاعر محمود درويش في ذاكرة للنسيان «ولا تحضر إلا بوصفك موضوعا يقوم الآخرون بالتعبير عنه كما يريدون».

هناك ندرة في كتابة المرأة المحررة عن تجربتها الاعتقالية. ففي تونس ما بعد الثورة، مثلا، نشر العديد من المعتقلين سابقا كتبا، اما بشكل مذكرات او روايات تستند إلى تجربة الاعتقال، توثيقا وكشفا للحقيقة و«لئلا نحترق مرتين» كما كتب المعتقل بشير الخلفي في كتابه «الدراكة».

في ظل هذا العدد من الكتابات، بقي صوت المرأة المحررة حبيس الصمت، على الرغم من انفتاح الافق بعد الثورة وعلى الرغم من وجود عدد لا يستهان به ممن مررن بمحنة الاعتقال، حيث تمكنت جمعية «نساء تونسيات»، مثلا، من «الاتصال بنحو 250 سجينة من بين 400 اسم حصلت عليها، قمن بسرد وقائع حصلت لهن أثناء تعذيبهن وسجنهن من قبل نظام بن علي».

وقد تنوعت اساليب التعذيب « فمنهن من تم تطليقها من زوجها غصبًا، وأخريات تم تهجيرهن إلى الخارج، وبعضهن تم تعذيبهن جسديًا إلى حد الإجهاض»، كما ذكرت ابتهال عبد اللطيف، رئيسة المنظمة. ان جهود المنظمات الحقوقية العاملة مع النساء المحررات، في غاية الاهمية، خاصة، في مجال تسجيل شهاداتهن ومساعدتهن على نيل حقوقهن المهضومة جراء الاعتقال واصدار الاحكام التعسفية. وان بقي هذا الجانب، ومعه نمط كتابة تجربة الاعتقال بأقلام آخرين، على اهميته، انتقائيا، لأنه يمر عبر وسيط له صوته ومفرداته وزاوية نظره، مما يتركنا بمواجهة اسئلة حول مبادرة الأسيرة / المعتقلة بكتابة تجربتها بنفسها او التعبير عنها باشكال مختلفة وليس حبسها ضمن جانبي التوثيق والاستحقاق القضائي فقط. اسئلة ترتفع بالتجربة إلى مستوى يوازي الواقع بقوته.

اسئلة على غرار: ماذا عن الجوانب الابداعية التي تمنح التجربة الإنسانية، مهما كانت قاسية، ديمومة التواصل الانساني والرغبة بمعرفة المزيد؟ ماذا عن محاولة فهم المعتقل نفسه لما جرى، وبالتالي تفادي ان يمر به آخرون مستقبلا، لئلا يكون ضحية اليوم جلاد الغد؟ ماذا عن سيرورة الكتابة، ذاتها، وما تحمله من ديناميكية، كتجربة تتجاوز الواقع وآلامه لتبني احلام المستقبل؟

قرأت ثلاثة كتب لتونسيات تطرقن فيها إلى تجربة الاعتقال لا لأنهن انفسهن مررن بها ولكن لأنهن مررن بها عبر اعتقال الزوج أو الأخ. وهي زاوية نظر مختلفة تستحق الدراسة. من بين الكتب «من أيام سجينة خارج الأسوار» لبختة الزعلوني الذي تعالج فيه يوميات زوجة معتقل سياسي «مثقلة بمسؤولية جسيمة وهي ان تساعد زوجها بشتى الطرق المتاحة لينجو من موت محقق ان ظل على تلك الحال وفي ذاك المعتقل».

بالمقارنة مع بقية البلدان العربية، صار لصوت الأسيرة الفلسطينية المحررة موقعه المتميز. تمكنت عائشة عودة بقدرتها السردية عن الاعتقال في سجون الاحتلال الصهيوني العنصري من تجاوز التجربة الفردية لتتواصل مع العام والذي هو جوهر قضيتها لتحتل مكانتها في الأدبين الفلسطيني والعالمي.

من بين الأخبار المفرحة حول ذات التجربة اتفاق مجموعة من الأسيرات الفلسطينيات المحررات وأخريات ممن يواكبن النضال على اللقاء بشكل دوري في ملتقى للكتابة الابداعية، يقمن اثناءه بقراءة ومناقشة ما يكتبنه وتحريره وإعادة الصياغة لعدة مرات ان تطلب الامر، في سيرورة تطوير للمنتج الابداعي يستفدن خلاله من خبرة وحرفية عدد منهن في مجالات الاسلوب والصياغة بينما يغذين المحتوى بعمق التجربة النضالية وصدقها، هادفات بالنتيجة إلى التعبير عن تجربتهن بأنفسهن، بلا وسيط، وبشكل ابداعي يجمع ما بين موضوع المعتقل وهو الحدث الكبير في حياتهن وارتباطه بالنضال العام لتحرير فلسطين، باسلوب فني لا ينفر القارئ لكثرة ما قرأه من مآس ويحيطه من نكبات.

ان حث وتشجيع الأسيرة المحررة من سجون الاعتقال الصهيوني والمعتقلة المحررة من سجون الأنظمة القمعية إلى كتابة تجربتها بنفسها، مستلهمة ومستعيدة، من الذاكرة، احداثا ودقائق ربما تحاول طمسها لفرط قسوتها أو لأنها تراها «عادية»، ضرورية باعتبارها تشكل جزءا لا يتجزأ من سيرورة نضالها. ويمثل تشجيعها على كتابة نص ابداعي يستند إلى تجربة الاعتقال، بشكل أدبي أو فني تختاره (قصة، يوميات، قصيدة، أغنية، أحلام، مسرحية… الخ) خطوة أبعد لئلا تكون تجربتها نسخة من تجارب أخريات تبدأ بالاسم وتاريخ الاعتقال وتنتهي بلحظة اطلاق السراح.

يقين نت

ب ر

تعليقات