الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 | بغداد 19° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

تشريع قانون الميليشيات.... جهاد بشير

تشريع قانون الميليشيات…. جهاد بشير

تصويت مجلس النوّاب الحالي على قانون خاص بميليشيات “الحشد الشعبي” لإعطائه صفة “شرعية”؛ خطوة متوقعة وتمت قراءاتها من قبل القوى المناهضة للعملية السياسية منذ وقت مبكر إبان الإعلان عن توصيف مجاميع الميليشيات الطائفية بمسمى الحشد.

واقع الحال يقول إن “الحشد الشعبي” ليس بحاجة لقانون يوظف فيه سلوكه، لأنه متحكم بالمشهدين السياسي والعسكري في العراق منذ سنتين وأكثر، ولا يوجد ـ ضمن دائرة العملية السياسية ـ ما يمكنه انتزاع هذه الصلاحيات منه، ولكن إقرار قانونه الخاص بمنحه هذه الصفة له أبعاد أخرى قد لا تكون منظورة للجميع، رغم وجود تجربة مماثلة حصلت بعد احتلال العراق في 2003، حينما تشكلت قوّات الجيش والشرطة الحكوميين من ميليشيات الأحزاب التي وفدت بمعية الاحتلال وسلمها الأخير مقاليد التحكم بالعراق أرضًا وشعبًا واقتصادًا، لغايات وأهداف تجلت شيئًا فشيئًا وتكشفت حقائقها بمرور الأيّام.

من الواضح أن صلاحيات الجيش الحكومي بإطاره الميليشياوي؛ قاربت على الانتهاء بعد نحو أربع عشرة سنة من الممارسات الطائفية والانتهاكات ذات الأهداف الإقصائية والمغزى الممهد لتغييرات ديموغرافية في مناطق عدة من البلاد، ومن غير الممكن استمرار استخدامه في مراحل متقدمة لها سمات خاصة وامتيازات تمهد لإعادة ترتيب المنطقة وتغيير شكلها؛ لأن الملعب السياسي العراقي على الرغم من أن اللاعبين فيه مفتقرون إلى الحياء والخجل ولا تهمهم اعتبارات أو قيم، إلا أنه يقتضي مناورات وجولات خلفية خفية، وفقًا لما يريده كبار اللاعبين الدوليين الذي اشترطوا من قبل على أدواتهم مساحات محددة لا يتجاوزوها إلا بإذن، من قبيل المحافظة على التوازنات العامة والخاصة محليًا وإقليميًا ودوليًا.

ولأن الخطوات القادمة في المنطقة ثقيلة الوزن وشديدة الوطء؛ فقد استدعى الأمر الإتيان بتشكيل آخر ذي صلاحيات أكثر ومساحات أوسع، وربما اقتضت الحاجة مساحات معدومة الأطر، فكان “الحشد الشعبي” الذي عاث فسادًا طائفيًا بحجة محاربة “الإرهاب” لم يشهد تاريخ العراق له ندًا، وعلى مرأى ومسمع المجتمع الدولي راح يفتك بالمدنيين السنة قتلاً وتشريدًا وخطفًا؛ ليؤسس بذلك مرحلة أخرى شارفت خارطة طريقها على الاكتمال بمباركة دولية؛ فخرج مجلس النوّاب على حين غرة وأعلن التصويت على القانون، وسط لغط مفتعل، واعتراضات هلامية لا تقوى على الصمود أمام حقيقة الإيجاب الذي منحه المعترضون سلفًا للوصول إلى مرحلة إقرار القانون.

بدأ التفويض الدولي للاعتراف بميليشيات “الحشد الشعبي” منذ أن منحت الولايات المتحدة الضوء الأخضر للقائمين على العملية السياسية بتشكيله، واستخدام المرجعية لتعلن “الجهاد الكفائي” لصبغه بثوب ديني ومذهبي له رواج سواء بين الأحزاب الحاكمة أو بين المجتمع المراد تجييشه لذلك؛ وبالتزامن مع الكشف عن حقيقة العلاقات الغربية الإيرانية التي أظهرت سذاجة من كان يظن أن بين الطرفين عداءًا، وتم وأد ما كانت تُعتقد أنها خلافات بينهما بعد الجولات التي جمعت طهران مع القوى “الخمسة +1″؛ وتسوية ملفها النووي ومنحها تعويضات مالية لتحررها من العقوبات الدولية؛ كل ذلك جرى بعلانية مفرطة تخللتها مسرحيات مقصودة لتظهر قوة إيران في المنطقة من قبيل مضايقات البوارج الأمريكية في مياه الخليج، وأسر جنود من المارينز وتصويرهم، وما إلى ذلك؛ لكي تفهم دول الخليج خاصة أن شرطي الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط له صلاحيات أعلى وأوسع مما هو متوقع.

ثم جاءت المرحلة الثانية من الاعتراف الدولي بـ”الحشد الشعبي” بتمهيد الطرق له لاحتلال المدن العراقية وتحريقها وتدمير بناها التحتية والتنكيل بأهلها، وهو ما جرى ـ على سبيل المثال ـ في تكريت، وبيجي والفلوجة، فضلاً عن حزام بغداد الجنوبي وغيرها؛ إذ كانت طائرات التحالف الدولي تلقي أطنانًا من القنابل والصواريخ وتعتمد سياسة الأرض المحروقة، لتجبر مقاتلي “تنظيم الدولة” على الانسحاب وتفتح الأبواب للحشد الذي يقتحمها بشعاراته الطائفية وعناوينه الإيرانية الصريحة مبتهجًا بانتصار مزعوم لم يكن له يد فيه.

ثم انتهى المطاف بملف الاعتراف الدولي بتشريع القانون بعد يومين فقط من تصريح الاتحاد الأوروبي عبر ممثله في بغداد الذي زار العبادي؛ بأن الاتحاد يدعم حكومة الأخير، مطالبًا إياه بتجاهل تقارير منظمات حقوق الإنسان التي تتحدث عن انتهاكات وجرائم حرب يمارسها الحشد ـ باعتراف العبادي نفسه ـ فيما لم تكن محاولة الترقيع التي بذلتها المتحدثة باسم الاتحاد بعد يوم من تفشي هذه المعلومات؛ مقنعة بأن ممثله لم يصرح بها لمضيفه.

ومن هنا يتضح أكثر؛ أن إحالة الميليشيات إلى قوة رسمية بتشريع قانون هو في الأساس من صميم فكرة العملية السياسية ـ أسوة بغيره كقانون مكافحة الإرهاب، وقانون الاجتثاث ـ أمر متفق عليه سلفًا وتتحمل جريرته كل القوى المشاركة فيها، كونها أدوات تنفيذية يتحكم بها مؤسس هذه العملية.

ولكي يعي المراقبون خطورة ما سيجري في المرحلة المقبلة التي يُراد لـ”الحشد الشعبي” أن يكون بطلها؛ فإن القانون الذي يجيز له المشاركة في معارك خارج الحدود؛ يعطي انطباعًا أن الإقليم على وشك الولوج في دوامة صراع متعدد الأوجه والواجهات؛ ينتهي بشكل جديد في التركيب والمظهر، لكنه مشوه العقيدة والقيم والسمات المجتمعية، ويطال شره المستطير التاريخ والتراث، وسيعمد الغرب إلى نسج ثوب مغاير ترتديه المنطقة لا يستر سوآت أصحاب القرار فيها.

يقين نت

ب ر

تعليقات