الإثنين 23 أكتوبر 2017 | بغداد 17° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

العين الثالثة (ديموقراطية الصدر بين الكتابة والممارسة)...سعود الريس

العين الثالثة (ديموقراطية الصدر بين الكتابة والممارسة)…سعود الريس

 

خرج زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر برؤية عن الديموقراطية وتحديداً الأميركية في مقالة كتبها أخيراً في هذه الصحيفة كسياسي وليس ككاتب بعنوان «ديموقراطية أميركا.. إلى أين»، استعرض خلالها سيرة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، ووصفه بأنه جاء ليعرقل بعصاه عجلة التقدم الديموقراطي في تلك الأرض – على حد قوله – التي تمكن رؤساؤها الـ44 السابقون من إخضاع شعوبهم بمسميات جديدة، أولها الحرية مروراً بالديموقراطية وانتهاءً بالسلام، مع عدم إغفال مصطلح الانتعاش الاقتصادي كما أورد في مقالته، وعدَّ الصدر وجود مظاهرات في أميركا يعني أن هناك استياءً شعبياً، وهذا يعني كما قال انهيار «أم الديموقراطية» بعين العشاق. وواصل زعيم التيار الصدري رؤيته الديموقراطية بانتقاد ترامب «المشهور عنه التشدد وأنه صاحب أفكار ملؤها العنف»، وأنه أعلن عداءه للإسلام «الراديكالي»، من دون التمييز بين جهة وأخرى. تلك كانت مقتطفات من المقالة التي خيّل إليَّ وأنا أقرؤها أن من كتبها يعيش في «المدينة الفاضلة»، وأنه يشعر بالأسى على ديموقراطية المجتمعات الأخرى.

كنت لأتقبل مقالة من هذا الوزن لو كتبها أي شخص آخر، لكن أن تأتي من السيد مقتدى الصدر، فهنا لا بد من وقفة، ووقفة طويلة أيضاً. وقبل الخوض في التفاصيل نذكر هنا أنه بينما نحن نقرأ الآن، هناك مئات الآلاف من المشردين العراقيين من دون مأوى، والعشرات ممن يحرقون أحياء وتقطع أجسادهم أيضاً على أيدي ميليشيات شيعية متطرفة، ناهيك عن الأعراض التي تنتهك، والسجون المكتظة وجميعهم من أهل السنة، والحجة هنا ليست استعادة العراق، بل الانتقام لمقتل الحسين كما يقولون في مقاطعهم المصورة، وكما يرفعون من شعارات.

تلك الجرائم تحدث على بعد أمتار من مقر إقامة السيد الصدر، لكنه ربما لبعد نظره لم يرَ ما يدور حوله، فوقعت عيناه على أميركا!

يقول الناطق الرسمي باسم هيئة علماء المسلمين في العراق محمد الفيضي، إن ميليشيات جيش المهدي التابعة لمقتدى الصدر تستهدف الأبرياء في الشوارع بشكل طائفي ومعلن، فكل من اسمه عمر وكل من كان من الفلوجة أو من عشيرة سنية مستهدف. أما ميليشيا بدر فتستهدف النخبة وكبار القوم، بينما هناك أكثر من 93 ألف عراقي يقبعون في سجون المنطقة الخضراء فقط، ترى عن أي ديموقراطية يتحدث السيد مقتدى الصدر؟

إشكالية الصدر أنه وعلى رغم تزعمه تياراً من أكبر التيارات في العراق، ويضم تحته الشريحة الشعبية الأكبر، إلا أنه لم يتمكن من تقديم نفسه لا دينياً ولا سياسياً ولا حتى اجتماعياً، فهو تعمد الغموض في وضعه منذ اليوم الأول لسقوط بغداد، لعب على الوتر المذهبي، وسعى إلى إيهام الشيعة العرب بأنه واحد منهم وأنه معهم، لكن جميع المواقف والمراحل والمحطات التي تعرَّض لها العراق أثبتت العكس، سعى إلى التشويش على علاقته بإيران، لكنها في المقابل كانت له الملجأ إما طوعاً أو قسراً إثر كل إشكالية تعرض لها مع التيارات الأخرى المؤثرة في الحكم، يتحدث عن الاستقلالية في قراره، لكنه في المقابل يلجأ للسيد حسن نصر الله لاستشارته، فهو إذاً أخفق في الظهور كزعيم وطني، وأخفق أن يكون موحداً للشيعة العرب في العراق وإيران، بل إنه أخفق حتى في لعب دور إصلاحي في الخلاف الشيعي – الشيعي في العراق، وفي المحصلة النهائية يصرُّ، لكنه لا يتقن الغموض، ما أخرجه المرة تلو الأخرى صفر اليدين.

مناسبة هذه المقالة ليس الدفاع عن ترامب ولا التصدي لهجومه، فبالنسبة إليَّ ما يقوم به ترامب أهون بكثير مما يقوم به الصدر في العراق، فالأخير له تأثير على مجموعات ومناطق معينة لكنه يفتقد فاعلية الزعيم، شخص غير قادر على فرض نفسه وحضوره على رغم جميع الإمكانات التي يحظى بها، كان بإمكانه الاستفادة من نفوذه باستعادة الاستقرار في بلاده، لكنه عوضاً عن ذلك أطلق ميليشياته لتسفك دماء الشعب العراقي ولتهجره، أي ديموقراطية يتحدث عنها الصدر وعراقي الجنوب يحظر دخوله الشمال إلا بكفيل؟ أي حرية تلك التي يقول بها والعراقي يخرج من بيته وهو لا يعلم إذا كان سيعود أم لا؟ هل استفزت المظاهرات الأميركية ضد ترامب مقتدى الصدر؟ لماذا لم تستفزه احتجاجات أبناء العراق المطالبة بالإصلاحات وتقرب عندها من السيد السيستاني في دعم حيدر العبادي؟ أسئلة كثيرة تدور في هذا الإطار تخلص إلى إجابة واحدة، أن الصدر لم يتمكن من الخروج عن الخطاب الشيعي السائد، وأنه طالما بقي «دمية من بين الدمى» التي تستخدمها إيران عند اللزوم في بعض المراحل لإرسال إشاراتها، فلن تكون له القدرة على تقديم نفسه كسياسي يحرص على الديموقراطية، ولا كزعيم يسعى لفرضها، فشتان بين أن تكتب عن الديموقراطية وأن تمارسها.

تعليقات