الأربعاء 23 أغسطس 2017 | بغداد 37° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

السياسة العراقية والكاميرا الخفية !....د.جاسم الشمري

السياسة العراقية والكاميرا الخفية !….د.جاسم الشمري

برامج الكاميرا الخفية من البرامج العالمية المتنوعة التي تبث الفرح والسرور في نفوس المشاهدين في زمن المادية التي غلفت كل معاني السعادة والنقاء والبراءة.

في برامج الكاميرا الخفية، تصور مشاهد من ممثلين مع مواطنين لا يعرفون حقيقة أن هناك كاميرا تتابعهم. وبالمحصلة، تكون المشاهد لحظات مفاجئة ومضحكة، تبث السعادة في نفوس المتابعين.

وأظن أن الكاميرا الخفية دخلت أورقة السياسة العراقية. فبعد أن نقلت شاشات التلفزة المحلية والعالمية مشاهد القتل والدماء والصراخ للمتظاهرين العراقيين بعد اقتحامهم “المنطقة الخضراء” في بغداد، أطل علينا -يوم الأحد الماضي- سعد الحديثي، المتحدث باسم المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء حيدر العبادي ليقول إن “نتائج التحقيقات الأولية تدلل على عدم وجود إطلاق نار مباشر، وإن هناك حالتي وفاة لا دليل على إصابتهما بإطلاق ناري مباشر على المتظاهرين، ولا توجد حالات غيرها مع وجود معطيات بحمل بعض المندسين للأسلحة، إضافة إلى عدم وجود موقوفين من التظاهرة الأخيرة، وقد تم التحقيق مع ثلاثة منهم وأخلي سبيلهم”.

وهنا يمكن أن نناقش ما تم تناقله عبر وسائل الإعلام المرئية. إذ لاحظنا أن الأجهزة الأمنية المختصة بحماية “المنطقة الخضراء” سمحت لجموع المتظاهرين بالدخول إلى داخلها، بل لم نشاهد أي قوة عسكرية أثناء الدخول. وبعد أقل من ساعة، بدأت القوات العسكرية بإطلاق الأعيرة النارية الحية، والغازات المسيلة للدموع. وهنا يمكننا أن نسلط الضوء على القضية من الزاويتين التاليتين:

– الحكومة تنظر لما جرى من عملية اقتحام للمنطقة الخضراء على أنه “جريمة”. ونحن سنتفق معها، ونتحدث بالمنطق ذاته الذي تحدثت به، وهو: إذا كان ما جرى جريمة وفقاً لمنظور حكومة بغداد، فلماذا سمحت القوات الأمنية بدخول المتظاهرين لداخل المنطقة الخضراء؟!

المعروف في علم الجريمة أن من أهم واجبات الأجهزة الأمنية منع وقوع الجريمة، وليس وقوع الجريمة ثم ملاحقتها، لأن ذلك يعني انعدام أهمية أو فاعلية وجود تلك الأجهزة إن كانت عاجزة أصلاً عن إيقاف الجريمة. وعلماء الجريمة يذكرون أن استعمال مصطلح منع الجريمة تُقصد به مجموعة الإجراءات الإدارية أو القانونية التي تتخذها السلطات المختلفة بالوسائل البشرية والمادية، وبأساليب متعددة، لتقلل من احتمالات وقوع الجريمة، وهذا من واجبات الشرطة المكلفة بها. فأين دور الأجهزة الأمنية المختصة بحماية “المنطقة الخضراء”؟!

وعليه، يمكن النظر للإجراء الحكومي بالسماح للمتظاهرين بدخول “المنطقة الخضراء” على أنه مصيدة حكومية للمتظاهرين -ومن يقف وراءهم- يراد بها المزيد من خلط الأوراق في المشهد العراقي، واستمرار حالة الشلل الحكومي، وأيضاً ضرب بعض الأطراف الفاعلة في تحريك الشارع ومنهم التياران الصدري والمدني. ويمكن أن نقول إن هناك أمرا ما دبر بليل ضد المتظاهرين. وهذا أمر مخجل، لأنه لا يمكن تقبل المتاجرة بدماء الأبرياء لتحقيق مكاسب سياسية رخيصة!

– ثم، كيف يمكن تفهم قول الحديثي: “نتائج التحقيقات الأولية تدلل على عدم وجود إطلاق نار مباشر، وهناك حالتا وفاة لا دليل على إصابتهما بإطلاق ناري مباشر على المتظاهرين”؟

هنا نقول للحكومة: من الذي قتل المتظاهرين الأربعة وجرح أكثر من 90 آخرين، بحسب ما ذكرت وكالة “رويترز” في إحصائية لها من مستشفيات بغداد؟! وهل ما رأيناه من مشاهد للقتل والدماء والجرحى هي كاميرا خفية؟!

أعتقد أن الأمور باتت واضحة للجميع، وهي أن هناك أوامر عسكرية صدرت من رئيس الحكومة لضرب المتظاهرين، ثم بعد ساعات وجد الرجل نفسه أمام موجة من ردود الأفعال القاتلة التي لم يكن يتوقعها، فحاول التملص منها بهذه الرواية السقيمة!

إن محاولة تهرب الحكومة من قتل المتظاهرين لا يمكن تقبلها. وردود الفعل على هذه الجريمة وصلت حتى الآن لمحافظات البصرة والناصرية والعمارة. وأعتقد أن الأيام المقبلة تحمل طوفاناً عراقياً لا يمكن لحكومة العبادي الوقوف في وجهه.

يقين نت + وكالات

 

ب ر

تعليقات