السبت 19 أغسطس 2017 | بغداد 35° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

ما آفاق العلاقات السعودية العراقية بعد زيارة وزير الخارجية؟...د. مثنى عبدالله

ما آفاق العلاقات السعودية العراقية بعد زيارة وزير الخارجية؟…د. مثنى عبدالله

تحدث مقال الأسبوع الماضي عن الرسالة التي حملها وزير الخارجية السعودي إلى بغداد، في زيارته التي عدّتها أوساط كثيرة بأنها كانت فجائية وغير متوقعة، والتي أثارت الكثير من التكهنات وعلامات الاستفهام.

كما سبق القول فإن الرسالة كانت موجهة إلى رئيس الوزراء حيدر العبادي دون غيره، لأن هناك رأيا أمريكيا وأقليميا وحتى عربيا، يعتقد بأن المراهنة على الرجل ممكنة. فهو حتى الآن يبدو مقبولا من وجهة نظرهم، بالنسبة للاكراد والسنة، وكذلك بعض تيارات البيت السياسي الشيعي. كما أنه لم يصطدم بأي جهة أو يصل معها إلى حدود القطيعة، وأن تصرفاته وتصريحاته تشير إلى أن لديه قابلية على تجاوز إساءات البعض إليه والقبول بالحلول الوسط.

هذه الشخصية غير الجدلية في نظرهم، تعطي دفعة قوية للتوجه الامريكي – الغربي الجديد في العراق والمنطقة، الذي يحاول الاستثمار السياسي والاقتصادي، من خلال ما يقدمونه من دعم عسكري في محاربة تنظيم «الدولة». فالتضحيات المادية والمعنوية على الساحة العراقية، من غير المقبول أن تذهب سدى هذه المرة، ويجب أن يكون لها ما يقابلها من الطرف العراقي، شاء من شاء وأبى من أبى، خاصة أن روسيا قد فازت بسوريا وباتت قوة موجودة على الارض عسكريا وسياسيا. بمعنى أن محاربة تنظيم «الدولة» في العراق، وإعادة الاراضي التي سيطروا عليها إلى السيادة العراقية ليست مجانا، ولا يمكن أن تكون كذلك مستقبلا.

كما أن تجربة الغزو الامريكي للعراق في عام 2003، والتضحيات الجسام التي دفعتها الولايات المتحدة والغرب، ثم سيطرة إيران على مقاليد الامور فيه، يجب أن لا تتكرر مرة ثانية، خاصة في الظروف الحالية. فالولايات المتحدة تنظر إلى الحشد الشعبي على أنه القوة العسكرية، التي قرار فعلها وتمويلها وتدريبها ومرجعيتها الدينية والسياسية إيراني، وهو اليوم يتصدر المشهد العسكري والسياسي في العراق، وأن أي أنجاز على الارض دون أن يتبعه استثمار سياسي سيُجيّر لحساب فصائل الحشد. وبالتالي فإن هزيمة تنظيم «الدولة» بصورة تامة، يعني صعود مؤسسة شبيهة تماما بالحرس الثوري الايراني إلى قمة السلطة، ما يعني تحديا مباشرا لمصالح أمريكا والغرب في المنطقة، خاصة إذا ما وضعت الحرب أوزارها في سوريا، واستمر النظام السياسي وقمة هرمه في السلطة، حيث سيصبح محور طهران والعراق وسوريا ولبنان، حلفأ اقليميا لابد أن يكون له فعل وموقف في كل ما يخص الشأن الاقليمي.

هذه الرؤية التقت على اتجاه واحد يقول، إن على حلفائنا العرب في المنطقة التحرك لتنقية الأجواء مع العراق. لتكن هنالك موازنة في التواجد الاقليمي فيه، مع إيران على الاقل في الوقت الحاضر، لأنه لا إمكانية حالية في قطع كل أوصال إيران. ما الضير في أن تبدأ تركيا في تصفير المشاكل مع السلطة في بغداد، وقد فعلت. وما الضير في أن تُصفّر السعودية مشاكلها مع العراق أيضا، وبعدها تكر المسبحة فتفعل دول الخليج الاخرى الفعل نفسه. فكان هناك نقاش فعلي أمريكي وغربي مع السعودية بشأن هذا الاتجاه، ارتكز على الأسس التالية. أولا، أن القطيعة السعودية مع العراق خدمت إيران ولم تخدم السعودية. فساحته خالية من أي نفوذ مواز، فتمددت إيران في كل المجالات وفي كل مفاصل الدولة العراقية، وأن استمرار هذا الوضع كما هو عليه الآن، سيدفع بإيران لتكون جارة شرقية للسعودية. ثانيا، إن السلطة الحاكمة في بغداد أصبحت أقوى من السابق، وإن القبول الدولي بها أو تقبل وجودها بات ممكنا، ويمكن رؤيته من خلال الزيارات التي يقوم بها مسؤولون غربيون للعراق. وبشكل أوضح من خلال تجحفل القوى الدولية الكبرى إلى جانب قواته، في المعارك التي جرت وتجري ضد تنظيم «الدولة». وأن التقدم الحاصل في هذا الجانب، سيرتب وضعا جديدا للسلطات العراقية أمام المجتمع الدولي، ويظهرها على أنها المشارك الرئيسي في ما يسمى الحرب على الإرهاب، وأنها وضعت لبنة في جدار الامن القومي الاوروبي والامريكي.

ثالثا، أن شخصية رئيس الوزراء الجديد مقبولة من أطراف دولية، ولديه صلات معها، وبالتالي القطيعة معه ليست مثمرة، خاصة أن من أوصل العلاقة السعودية العراقية إلى درجة الاحتقان هو سلفه وليس هو، وأن مد اليد السعودية إليه تعتبر ضربة قوية إلى سلفه، لان نجاح العلاقة الجديدة سيظهر الاخير بأنه هو من كان يفتعل الازمات والمشاكل مع دول المحيط، خاصة السعودية، وبالتالي سيفوّت عليه الفرصة بالعودة إلى سدة رئاسة الوزراء مجددا.

السؤال المهم الآن هو هل هنالك مقومات لعلاقة طبيعية بين العراق والسعودية؟ على الجانب السعودي هنالك سياسة جديدة رسمها الملك الحالي، وهي أن التعامل مع الاخرين يتم وفق اقترابهم أو ابتعادهم عن الرؤية السعودية للملفات الاقليمية، وليس كما كان في السابق باتباع نهج دفع الأموال لشراء الآخرين، حتى لو كانوا لا يستطيعون تقديم شيء. وقد حصل هذا التطور السياسي الجديد مع مصر ومع لبنان، التي أدارت الرياض ظهرها لهما وتوقفت عن دفع الهبات والمعونات وعلقت الاتفاقيات، بسبب عدم تطابق وجهات نظرهما السياسية معها. من هذا الموقف ستتعامل السعودية مع العراق، بعد أن وجدت نفسها ليست خاسرة إن طرحت معادلة الانفتاح مقابل الابتعاد عن ملف العلاقات السعودية الايرانية. هي تقول تعالوا لنقيم علاقة جديدة قوامها المصلحة. أنتم بحاجة إلى شرعية سياسية عربية كي يتقبلكم السنة، وانفتاح اقتصادي وسياسي وتنسيق أمني حقيقي، مقابل أن تنأوا بأنفسكم عن صراعنا السياسي مع إيران. لكن هذا لا يعني عدم وجود تيارات سياسية ودينية قريبة من الحكم السعودي لا تحبذ قيام علاقة طبيعية مع العراق. نعم هنالك قوى لا ترغب بقيام أي تقارب مع الوضع السياسي الحالي في العراق، لاعتبارات كثيرة منها طائفية وسياسية وأمنية، لكنها لا تستطيع التأثير على صانع القرار السعودي.

على الجانب العراقي فقد أثارت الزيارة ردود فعل متناقضة ومرتبكة، وهذا التناقض والارتباك يعكس الحالة الطبيعية للوضع السياسي الحالي. بمعنى أنه لا بد أن يكون الموقف هكذا. بعض أوساط البيت السياسي الشيعي رأت في الزيارة محاولة مشبوهة تقوم بها الرياض لخلط الأوراق وإحراجهم، وبالتالي فهم اعتبروها خالية من حسن النية. هذا الموقف امتاز به أئتلاف دولة القانون، الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق، والذي طالب بعض نوابه بتقديم اعتذار سعودي، وتمرير أسماء كل من يقاتل في صفوف تنظيم «الدولة» إليهم، عندها يمكن أن يقبلوا بالتطبيع مع الرياض. بينما البعض الآخر رأى فيها فرصة لتحسين العلاقات وتجميل صورتهم أمام الاخرين. بمعنى انظروا أيها السنة لقد جاءت السعودية الينا، ولم يعد لديكم الا القبول بنا، كما قبلت به مرجعيتكم. ساعد هذا الفريق في رؤيته صمت الاعلام الرسمي الايراني وعدم التشهير بالزيارة. أما زعامات الحشد الشعبي فقد رأت في الزيارة خوفا سعوديا من تطور قدراتهم. الشيء المهم جدا هو، هل أن الرهان على رئيس الوزراء الحالي رهان ناجح؟ الجواب على هذا التساؤل يتطلب التذكير بأن الرجل هو من المدرسة الحزبية نفسها التي تخرج منها سلفه، وهي مدرسة حزبية طائفية بامتياز. كما أنه ما زال حتى اليوم عضوا في حزب أمينه العام يؤمن بأن خياره وولاءه لايران وليس للعرب.

صحيح أن هنالك قيادات تاريخية في أحزاب يسارية وقومية وإسلامية، قد خرجت عن المبادئ والاهداف والفلسفة التي تربت عليها سنين طوال واختطت لها منهجا معاكسا، لكن رئيس الوزراء الحالي حتى الان يرفض الانسلاخ عن منهج حزبه، وبالتالي فإن الرهان صعب جدا إن لم يكن خاسرا، كما أن الملفات العالقة بين القطرين الشقيقين محملة بالقضايا الشائكة والمتناقضة.

يقين نت

ب ر

تعليقات