الإثنين 23 أكتوبر 2017 | بغداد 17° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

انهيار السياسة و ازدهار الثقافة في رئاسيات فرنسا

انهيار السياسة و ازدهار الثقافة في رئاسيات فرنسا

تعيش فرنسا هذه الأيام في دوامة الانتخابات الرئاسية بل كأنما أصابتها حمى المنافسات الشرسة بين سياسيين ليس بينهم رباط إيديولوجي كما ليس لديهم مشاريع مقنعة واضحة ولاحظنا لأول مرة سقوطا أخلاقيا في الحوار السياسي الذي تحول إلى حلبة مصارعة ثيران..و لعل بعض القراء عن حسن نية يردون علي بأنها الديمقراطية و تلك علاماتها وهي أفضل من الاستبداد لكني أنا الذي عايشت الحياة السياسية و الاجتماعية الفرنسية على مدى يزيد عن ثلث قرن أعتقد و أجزم أن انهيارا في المستوى الأخلاقي الأدنى المطلوب أصاب السياسة لكن العزاء هو أن الثقافة الفرنسية انتعشت وهي من إنجازات الشعب الفرنسي لا من جهود النخبة. الهبوط الأخلاقي يظهر جليا في تمسك بعض المرشحين بالاستمرار في حملتهم بينما هم مورطون قضائيا في ما يشبه الفضائح حيث أنهم تجاوزوا صلاحياتهم حين كانوا برلمانيين و استحوذوا على أموال دافع الضرائب تحت ستار تشغيل أفراد عائلاتهم في وظائف وهمية و يتعجب المرء كيف استحل هؤلاء التصرف في أموال وضعت تحت ذمتهم في حين أن رواتبهم عالية و امتيازاتهم عديدة و قد استقبل أحدهم يوم السبت الماضي في (إقليم الباسك) بالبيض و الهتاف المنادي بإيداعه السجن ! كما أن مرشحة اليمين المتطرف رغم تراجع حزبها عن لهجة العنصرية الساطعة أصبحت تلف برنامجها المشحون بكراهية العربي و المسلم بغطاء من المطالبات التشريعية القانونية. مع استثناء يتيم تمثل في تصاعد شاب وسيم و مثقف بقي بعيدا عن هذا السقوط ولم يبلغ بعد الأربعين وهو (السيد إيمانويل ماكرون) وزير الاقتصاد السابق الذي لم يكن أحد يعرفه منذ ثلاثة أشهر حين استقال من حكومة (هولند) و أنشأ حركة سياسية معتدلة و أعلن أنه ليس يساريا و لا يمينيا بل وطني (معولم) فالتزم خطا سليما من العثرات بل إنه تجرأ أثناء زيارته للجزائر فصرح أن استعمار فرنسا للجزائر و بقية المستعمرات شكل جرائم دولة وكان عدوانا سافرا على حقوق الشعوب بل يكاد يبلغ حرب الإبادة العرقية. هذا الموقف سمعناه بهذه العبارات لأول مرة في تاريخ الجمهورية الفرنسية التي ترفض الاعتذار للشعوب المستضعفة إلى اليوم. بل إن (السيد فرنسوا فيون) مرشح اليمين صرح منذ أسابيع بأن الاستعمار الفرنسي كان تقاسُما للثقافة الفرنسية و التعاون بين الأمم !! و هكذا يبدو المشهد مع الأسف كأنه مباراة مبارزة بالسيوف أو مصارعة حرة أو (ماتش رقبي) لا لعبة شطرنج رفيعة المستوى لها قواعد و أخلاق مما أضاع أصول التنافس السياسي الشريف وفتح الأبواب العريضة أمام التراشق العنيف بألفاظ لم نألفها من النخبة مع الضربات تحت الحزام و توجيه التهم الجزاف بعضهم الى بعض. و يلعب القضاء و الإعلام و منظمات المجتمع المدني أيضا أدوارا سلبية غامضة فتوجه التهم إلى هذا أو ذاك و تعلن الصحف يوميا العثور على ملفات و ممارسات خارجة عن القانون لتلطيخ بعض المرشحين أو تنظيف البعض الآخر.

لكن العزاء كما قلت سابقا يبقى الازدهار العجيب الذي تعيشه الثقافة فقد كان المعرض السنوي للكتاب في (باب فرساي) لمدة أيام نشاطاته (من 24 الى 27 مارس الجاري) تأكيدا قويا لحضور الفكر و وقفت الطوابير الشعبية أمام شبابيك التذاكر بالساعات ثم وقف الفرنسيون ساعات أخرى أمام المؤلفين و أهل الثقافة ينتظرون توقيعهم على الكتب التي اقتنوها و تزاحمت وسائل الإعلام الراقية من أجل تقديم الأفضل من المؤلفات الصادرة عن مؤسسات النشر الفرنسية و العالمية ثم كانت هذا العام المملكة المغربية هي ضيفة الشرف في المعرض فعرضت الثقافة المغربية أفضل إبداعاتها كما نظمت حفلات للترويج للسياحة في المملكة و قدم المغاربة موائد الطعام المغربي الأصيل و اللباس التقليدي الجميل. كما أن الجزائر و لبنان كانتا حاضرتين بإنتاج غزير و مشرف. و لا أدري سبب غياب تونس المتكرر عن هذه التظاهرات العالمية التي من المفروض أن نغتنمها و نسوق للأوروبيين ما لدينا من ثراء ثقافي و فكري لا ينكره إلا الجاحدون.

يقين نت

ب ر

تعليقات