الأحد 17 ديسمبر 2017 | بغداد 13° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

معركة الفلوجة في ظل عواء طائفي ومصالح سياسية.... د. مثنى عبدالله

معركة الفلوجة في ظل عواء طائفي ومصالح سياسية…. د. مثنى عبدالله

في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، أعلن رئيس الوزراء العراقي عن انطلاق عمليات تحرير الفلوجة، بمشاركة الجيش والشرطة والحشدين الشعبي والعشائري.

وللمدينة التي لا تبعد عن بغداد سوى 60 كيلومترا أهمية خاصة في ذاكرة الجميع. فهي أول مدينة سيطر عليها تنظيم الدولة قبل الموصـــل، وهي التي شــــهدت حملتين عسكريتين أمريكيتين في عام 2004، وتعتبر خاصرة بغداد المهمة، ومن يسيطر عليها يستطيع تهديد مطار العاصمة، الذي يعتبر رمزا سياديا مهما.

وكما أن للمدينة أهمية جغرافية وتاريخية، فإن للعديد من ساسة العراق الجديد ثارات معها، وقد أفصحوا عنها بتصريحات تعج بالتعابير الطائفية المقيتة، وبحقد كبير على أهلها وعشائرها ووجهائها، إلى الحد الذي بات التدافع في المشاركة في المعركة القائمة فيها هدف الجميع، ليس لأغراض وطنية، بل لأهداف طائفية وحزبية باتت معلومة، من جانب أحزاب الإسلام السياسي الشيعي، وأيضا الحزب الإسلامي العراقي السني، الذي يمثله رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري، والوقف السني الذي يمثله عبداللطيف هميم، وبعض عشائر ووجهاء الأنبار والفلوجة نفسها. فإذا كان الحشد الشعبي يستميت في المشاركة، محاولا استغلال رمزية هذه المعركة، المتأثرة برمزية المدينة نفسها، للظهور الإعلامي والسياسي كي يُجذّر دوره في العاطفة والوجدان الشيعي، وإذا كان رئيس الوزراء حيدر العبادي يجد فيها إنجازا مهما له بعد الفشل السياسي والاقتصادي والأمني والخدمي، الذي عبرت عنه تظاهرات حواضن أحزاب الاسلام السياسي الشيعي التي وضعته في سدة المنصب، فإن الحزب الاسلامي العراقي السني لديه ثار كبير مع هذه المدينة. فلقد أخذت الفلوجة موقعا رياديا في مقاومة الاحتلال والتصدي لكل المشاريع الطائفية منذ وقت مبكر بعد الغزو، وكان الحاقها هزيمتين منكرتين بالقوات الامريكية عام 2004، حدثا مهما جعل من رموزها أيقونات نافست زعامات الحزب الإسلامي، الذي كان مستميتا في التعاون والجلوس في الحضن الامريكي، بعد الادعاء بأنه من يمثل السنة، لذا فإن المعركة الحالية تمثل بالنسبة له فرصة سانحة لتعزيز موقعه السياسي في المدينة، وفي الانبار كمحافظة لاحقا، ويعطي مصداقية أكبر لتحالفه الإستراتيجي مع الاحزاب الطائفية الاخرى. أما الوقف السني فإن زعامته الجديدة تمارس الدور نفسه الذي مارسته قبل الاحتلال، بندقية كلاشنكوف في اليد، وخطابا لغويا يحمل نفحات ثورية، كلها تصب في تعزيز المصلحة الفردية، كي يكون القائد الأوحد للسنة في العراق، وإذا كانت أحزاب الإسلام السياسي الشيعي والسني مواقفها تجاه معركة الفلوجة مدفوعة بمصالح حزبية، فما الذي يدفع بعض الوجهاء والعشائر من المحيط والنسيج الاجتماعي نفسه، للتناحر والتكالب على دماء أهل الفلوجة بهذا الشكل المعيب؟ ولماذا لا يكف البعض منهم عن التحريض ضد أهلها؟ صحيح أن المال السياسي شق صفوف عشائر الانبار، إلى الحد الذي بات البعض منهم كتاب تقارير ضد أهلهم لدى هذا الطرف الحكومي أو ذاك، ونجده اليوم يرتدي البدلة العسكرية في الحشد العشائري، بعد أن كان يهتف على منصات الاعتصامات ضد السلطة، لكن أما يتعض هؤلاء من درس الصحوات الذين حاربوا من أجل الامريكان والسلطة، ثم تخلى الامريكان عنهم فألقوهم بين أنياب السلطة فمزقتهم تمزيقا.

إن الذي يجري في الفلوجة اليوم بعضه عسكري، لكن العنصر الغالب فيه هو مصالح سياسية وطائفية بعيدة تماما عن الاجندة الوطنية. فكل طرف رسم خطواته وفق ما سيحصل عليه بعد انتهاء غبار المعركة، أما تنظيم الدولة فخياراته محدودة جدا في هذه المعركة، قد لا يخوض معارك حاسمة في الصقلاوية وعامرية الفلوجة، لأنه لا يريد تقديم تضحية فيهما، ولأنه يريد إنهاك القوات المتقدمة بعمليات انتحارية مستغلا طبيعة المنطقة الزراعية، ثم يخوض معارك قاسية من بيت إلى بيت في مركز الفلوجة، لكن في النهاية سيتم التغلب عليه، لأن قواته محاطة، خاصة أن خطوات حرب المدن قد تم تطبيقها على الفلوجة، وهي الحصار كمرحلة اولى، ثم السيطرة الارتكازية في نقاط تحيط بالمنطقة، ثم القصف المكثف، وبالتالي فإن إحكام السيطرة على مركز المدينة سيعني معركة دموية تقود إلى تدمير المدينة بنسبة تفوق التدمير الذي حصل في الانبار. أما السيناريو الاخر للمعركة فقد ينسحب مقاتلو التنظيم فجأة من المدينة، كما حصل في كوباني، وهو أمر مستبعد لأن عناصر التنظيم ليس أمامهم خيار الا القتال حتى الرمق الاخير، ومصيرهم معروف في حالة سقوطهم بيد السلطات، كما أن الحدود الادارية للمدينة تكاد تكون مغلقة تماما، لذا فإن المعركة ستحسم، لكن ستأخذ وقتا وفيها اختيارت صعبة، لكن الذي يلي ليس سهلا ففيه سؤال كبير، من الذي سيمسك الارض في حالة هزيمة التنظيم؟ وهل ستكون هنالك حرب جديدة على العناوين والمناصب في الفلوجة والرمادي عموما؟ وماذا عن أهل الفلوجة الذين مازالوا في داخل المدينة ولم يغادروها؟ وكيف سيتم التعامل مع هذه الحالة الانسانية؟ كان عدد السكان الاصلي 350 ألف نسمة عام 2011، بينما وصل عددهم الان بين 50 إلى 60 الفا بعد النزوح الشهير، بسبب نقص الغذاء والدواء، كما أن بعض التقديرات تشير إلى أن عددهم الان هو 90 الف نسمة.

أيا ما تكون التقديرات فإن الخطر داهم، خاصة مع عدم وجود جهة ضامنة لخروج العوائل من المدينة، عبر الممرات الآمنة التي تدعي القطعات العسكرية تأمينها. وقد حثت الامم المتحدة ووكالات الاغاثة الاطراف المتقاتلة على حماية المدنيين الذين يحاولون الفرار من القتال، لكن هل من معنى لهذا التحذير وسط معركة طاحنة الكـــل يريد فيها أن يحقــق اهدافه؟ وفي ظل قصف بالمدفعية الثقـــيلة وراجمات الصواريخ والهاونات، وجميعها اسلحة ذات مقذوفات متشظية.

إن تحرير المناطق وإرجاعها إلى سيادة الدولة واجب على السلطات، لكن هذا الواجب يتشوه ويتقزم حينما تهب رياح الطائفية النتنة من أطراف فاعلة في المعركة، وحين يتم التباهي بمشاركة قاسم سليماني قائد فيلق القدس الايراني في المعركة. صحيح أن حضوره أو عدم حضوره من الناحية العسكرية لا يقدم ولا يؤخر، لكن رمزيته الطائفية تشحذ همم الطائفيين ضد أهل المدينة، وتكون مصدر استفزاز للاخرين يدفعهم إلى النظر للمعركة من زاوية طائفية، بدلا من كونها عملية عسكرية تقوم الحكومة بواجب إعادتها إلى السيادة. كما أن الاطراف المليشياوية والحكومية التي تثقف باتجاه، أن الفلوجة هي مصدر التفجيرات التي تضرب بغداد بين الحين والآخر، هي الاخرى تصب في صالح التأجيج الطائفي، خاصة أن منطق السلطة يقول بأن المدينة محاصرة من جميع الجهات منذ فترة ليست بالقصيرة، وهو منطق صحيح لأن الدليل هو انقطاع الغذاء والدواء عن المدينة، إذن كيف للمفخخات أن تأتي من الفلوجة وتعبر كل سيطرات الجيش والحشد؟

حقيقة أخيرة يجب إيرادها في هذا المقال، وهي أن معركة الفلوجة ليست بعيدة تماما عن الخلافات التي تأججت مؤخرا بين أطراف البيت الشيعي. إنها ابنة الحدث وهي وسيلة لمنع انفجار الخلاف بين الصدريين والآخرين بعد عملية اقتحام المنطقة الخضراء مرتين، وبعد تفجيرات بغداد الاخيرة.

يقين نت + وكالات

 

ب ر

تعليقات