الأحد 20 أغسطس 2017 | بغداد 29° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

الفلوجة.. من يحاصر من؟!

الفلوجة.. من يحاصر من؟!

لاشك أن الفلوجة منذ ظهورها كمدينة المواجهة الشرسة ضد قوات الاحتلال الأمريكي عام 2004 باتت هدفا لجميع الحكومات التي عمدّها “بريمر” الشهير الحاكم العسكري الأمريكي للعراق بعد غزو 2003، وكلما جاء رئيس حكومة كانت خطة إنقاذ العراق تبدأ من مدينة الفلوجة باعتبارها معقل المقاومة من خضوع البلاد للجيش الأمريكي، واعتبار محافظة الأنبار طوقا ناريا يحيط بالعاصمة بغداد التي لم تعرف الأمن ولا السلام منذ ثلاثة عشر عاما، فاعتبرت الفلوجة “صندوق بانادورا” وعالم الشرور، فيما حكومات بغداد المتتالية أهدرت مئات المليارات من الدولارات دون فائدة سوى دخولها إلى حسابات الوزراء ومحاسيب النظام السياسي، ولم ينظر إلى شعب الأنبار سوى أنهم سرطان يجب أن يُجتث.

حيدر العبادي جاء حاملا لواء التغيير بعد حكم الطائفية والاضطهاد السياسي والإقصاء الطائفي والجغرافي، وأطلق العبادي سيلا لم ينقطع من الوعود والعهود لبدء مرحلة جديدة من الحياة السياسية وإشراك الجميع في العملية السياسة وعدم التفريق بين مكونات المجتمع العراقي، ولكن كل ما وعد به ذهب أدراج الرياح اللافحة، فبقي أبناء المحافظات السنية في أسفل سلم الأولويات، ولم يتحقق الأمن المنشود في العراق المفتت بفضل العقليات الطائفية وعبدة التاريخ، فكان المشترك الجماعي للحكم هم من صنف العبادي وحزب الدعوة، وباتت المرجعيات الطائفية أكثر تأثيرا، وازداد تراجع الخدمات والأمن، حتى واجه العبادي أخيرا أبناء الطائفة الشيعية العربية فثار المرجع الديني مقتدى الصدر وأمر أتباعه بالانتفاض ضد حكومة العبادي.

من هنا بدأت ما تسمى معركة تحرير الفلوجة، ولكن تحريرها ممن؟ الهدف المعلن هو تحريرها من تنظيم داعش، ولكن في كل مرة يسمع العالم هذا الإعلان، فيما على أرض الواقع الأمور عكس ذلك تماما، فالتنظيم لديه إستراتيجية الكر والفر، وترك مواقعه لإعادة التموضع، بناء على خطط عسكرية متقنة، ومواجهات دامية مع جيش الحكومة العراقية والحشد الشعبي، فيما التحرير المنشود هو ضد ما تبقى من أهل السنة في الفلوجة والبلدات المجاورة، وهذا ما لا يستنكره قادة الحشد الشعبي الذين يؤمنون بأنهم يقودون معركة باسم الإمام الأعظم، فهل تلك دولة أم عصابة.

إن العبادي الرئيس المستحكم في بغداد، قد استغل فرصة الانقضاض على الفلوجة بذريعة تحريرها من داعش ليواجه بها مشاكله مع المحافظات الجنوبية ومع المرجعيات وعلى رأسهم الصدر الذي اقتحم أتباعه مجلس النواب غير مرة وحاولوا اقتحام مبنى الحكومة، ولهذا فهو وبكل خبث سياسي، استغل موافقة التحالف الدولي ضد داعش لتغيير خطة تحرير الموصل، إلى تحرير الفلوجة،لأن الفلوجة والمدن الصغيرة هي الأقرب إلى بغداد، وهي المحاذية لمحافظات الجنوب وكربلاء والنجف حيث المرجعيات، ما يخفف الضغط عليه، ويغير سلم الأولويات بالنسبة لأولئك الرافضين لحكومته وسياساتها التي لم تلب احتياجاتهم المعيشية.

في حصار الفلوجة الأخير سجل التاريخ العراقي من جديد مآسي وويلات وانتهاكات إنسانية تشابه ما تفعله قوات النظام السوري ومليشيات حزب الله والقوة الإيرانية في سوريا، وبعد اقتحام البلدات السنية ظهرت النوايا الحقيقية من جديد، حيث أعلن قائد مليشيات “أبو الفضل العباس” أوس الخفاجي وهي إحدى أكبر مليشيات الحشد الشعبي المرافق للقوات العسكرية أمام حشده المتأهب، أن هدفهم في الفلوجة هو استئصال الورم في الفلوجة وهي السبب في كل مصائب العراق منذ 2004، وفي خطبة مسجلة بثت عبر موقع “يوتيوب” أكد على أن الفلوجة ليس فيها أي شخصية أو شيخ عشيرة أو رجل دين يستحق الاحترام أو التقدير إلا ما ندر، موضحا أن معركتهم هي للانتصار وليس للشهادة، فيما أطلق على العملية اسم “نمر النمر” المعدوم الشيعي في السعودية، وهذا يثبت أن الهدف من المعركة هي إرواء روح الشيطان المتلبسة بقيادات المليشيات من دماء العرب السنة الأبرياء.

إن المشهد اليوم في العراق ينبئ بكارثة مستقبلية على الصعيد الديموغرافي والجغرافي سيؤثر بالنتيجة على استمرار بقاء النظام السياسي في العراق بهذا الشكل، نتيجة اقتناع العرب السنة أنهم باتوا ضحية خداع ومؤامرة مشتركة من قبل الحكومات الشيعية وجيشها في بغداد وحكومات كردستان الكردية وجيشها من البيشمركة التي تعمد هي الأخرى إلى تهجير السنة من مناطقهم، وهذا سيؤثر بالتالي على دول الجوار العربي وخصوصا السعودية والأردن وجميع من يصمت على الخروقات الفاضحة والجرائم ضد الإنسانية على جبهات الأنبار وصلاح الدين، وهذا سيؤسس بلا شك لبروز تنظيمات مسلحة جديدة أكثر ضراوة من داعش، لأن عناصرها هم ضحايا الإرهاب الحكومي والطائفي في العراق، وستبقى الفلوجة تحاصر بغداد بالرعب والكوابيس السياسية والعسكرية حتى لو انتهى تنظيم داعش للأبد.

يقين نت + وكالات

ب ر

تعليقات