الأربعاء 18 أكتوبر 2017 | بغداد 16° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

ترامب وذراع أمريكا الطويلة: قراءة أولية

ترامب وذراع أمريكا الطويلة: قراءة أولية

من أسوأ الحالات التي تمر بها منظومة العلاقات الدولية، هو أن يتربع على عرش الدولة العظمى في العالم رئيس يصعب توقع أفعاله، ولديه هوس في الظهور محاطا بأعوانه وجميلاته، وعدسات التصوير التي تبرز منحنيات خطوط توقيعه على القرارات التي يتخذها.

هذه هي ميزة الرئيس الحالي ترامب، الحريص على أن تكون كل هذه الشعائر إعلانا عن وجوده الذاتي في موقع أعلى سلطة في العالم. عندها يصبح العالم مسرحا لتجارب عديدة تهدف إلى اختبار الرئيس الأقوى وقياس ردود أفعاله، كي ترسم الدول الطامحة خرائط تحركاتها في ضوء ذلك. لذا حاول الروس اختباره حين حلّقت القاذفات الروسية في البحر الاسود فوق بارجات أمريكية، وحين أرسلوا سفينة التجسس الروسية (فيكتور ليونوف) الى الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة في فبراير الماضي. بدورها حاولت إيران اختبار ردود أفعال ترامب حين جرّبت صواريخها البالستية الجديدة مؤخرا، وشجعت ذراعها الحوثي في اليمن للتحرش بالسفينة السعودية في باب المندب. وكذلك فعلت كوريا الشمالية الاختبار نفسه.

كان الجميع، خاصة الروس ينتظرون الرد من الرئيس الجديد، لكنهم يعلمون أن الحروب المباشرة لم يعد لها بريق كالسابق وذات كلف عالية، لذا فالرد لابد أن يأتي في الحواشي وعند الاطراف، ولا مكان أفضل من الشرق الاوسط، وتحديدا في سوريا، التي بات فيها الرد غير مُكلف ماديا، بينما الحاصل الاستراتيجي كبير جدا.

ظروف وصول ترامب الى البيت الابيض لم تكن اعتيادية لا بالنسبة له شخصيا ولا لأمريكا. إنه جاء إلى السلطة من خارج المنظومة السياسية، وفي وقت انزوت فيه الولايات المتحدة الامريكية عن التأثير العالمي، خاصة في زمن الرئيس السابق أوباما. ولان أمريكا لا يمكن أن تتآكل صلتها بالعالم، كما أن فيها مؤسسات لا تسمح بذلك، ولأن الشرق الأوسط هو مركز الاضطراب الحالي في العالم، وفي الوقت نفسه مركز التشابك العالمي في المصالح، فقد جاء الرد على مسرحه، على الرغم من أن ترامب ركز حملته الانتخابية على الداخل الامريكي، وبدأ بتطبيق سياساته وهو في السلطة في الحيز نفسه، ولم تكن سورية أولوية في مختبره، حتى أن وزير الخارجية ريكس تيلرسون قال قبل ايام قليلة من ضرب سوريا، بأن إزاحة الاسد ليست أولوية أمريكية ومصيره عائد لما يقرره شعبه. لكن عندما وجد ترامب وفريقه أن الوقت مناسب لتوجيه رسائل للداخل والخارج معا، لم يكن هنالك أفضل من إرسالها إلى العنوان السوري كي تصل الى كل الموجودين في الميدانين العسكري والسياسي.

داخليا نجح في كسب أسماء مهمه إلى جانبه من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، خاصة الذين عارضوه، مثل السيناتور جون مكين ولندساي غراهام وكانا من أشد المعارضين له، على الرغم من أنهما من حزبه. كما رسم لنفسه صورة الرئيس الحازم والقادر على قيادة دولة بحجم أمريكا. رسائله الخارجية كانت الإعلان عن عودة الولايات المتحدة إلى المنطقة، ورسائل سياسية الى كل من إيران وكوريا الشمالية، وبداية الشروع باستراتيجية فك ارتباط روسيا بإيران الذي تعتبر أمريكا أنه سيكون عامل قوة لها، وهزيمة لهدف بوتين الذي يريد إضعافها. كما كانت إحدى الرسائل تشير الى تأكيد استخدام النظام للسلاح الكيماوي، وأن نزعه سابقا بمبادرة روسية كانت عملية تمويه كاذبة، بدليل أنه عاد اليوم فاستخدمه مجددا. بمعنى أن التركيز هنا هو على إحراج الروس، ووصفهم بأنهم عنصر دولي غير نزيه ولا يمكن الاعتماد عليه في حل النزاعات.

كانت لدى ترامب وسائل عدة كي يوصل بها رسائله. منها خيار ضرب قوة النظام العسكرية ممثلة بالقواعد الجوية والمطارات وغيرها. وأخرى إيجاد مناطق آمنة برعاية أمريكية – تركية – أردنية. وثالثة بفتح مخازن السلاح الفعال أمام المعارضة المسلحة التي يثقون بها. لكن لكل من هذه الخيارات كلفها ونقاط ضعفها، ففضل اختيار الأضيق في التأثير من بين الخيارات وهي الضربة الصاروخية، خاصة أن الهدف العسكري لم يكن مهما جدا. كما أن استعمال الطائرات في القصف الجوي في منطقة عمليات حربية متشابكة سيعرضها الى الخطر. وقد كان إبلاغه للروس بالضربة قبل ساعتين من حدوثها لضمان عاملين مهمين، الاول تحييد منظومة الصواريخ الروسية من التعرض للصواريخ الامريكية المنطلقة، وكذلك سلامة عناصر القوات الروسية التي قد تكون موجودة في الهدف. الثاني كان دعوة مبطنة للروس أن هلموا كي نفتح كل الملفات ونتفق عليها. وقد سهل الابلاغ المسبق عن الضربة في إخلاء النظام لبعض طائراته الحديثة من القاعدة الجوية. وهو تأكيد آخر على أنه كان يريد من وراء الضربة توجيه رسائل لا أكثر، لانه يعلم جيدا أن هذا الفعل ليس كافيا لإسقاط النظام ولا الصدام مع الروس، ومع ذلك فإن الضربة لم تكن بدون مقدمات تشي بأن الامريكان عائدون الى المنطقة بعد ابتعاد. فمؤخرا جرى وبشكل حثيث إنشاء قواعد عسكرية أمريكية داخل سوريا، والسيطرة على مطارات عسكرية ونشر قوات خاصة، والتحالف مع القوات الكردية ودعمهم بشكل غير محدود.

إننا نرى أن النصيحة التي قُدمت لترامب من قبل فريقه تقوم على ضرورة توزيع القوة في الشرق الاوسط وعدم السماح بحصرها بطرف واحد، ثم موازنة القوى عن بعد كي لا تتورط أمريكا مرة أخرى بالتدخل المباشر. لذا فهو يحاول إعادة إيران الى حجمها الطبيعي، وامتصاص فائض القوة لديها، من خلال إعادة الهيبة الى حلفاء أمريكا التقليديين في المنطقة، سعوديين ومصريين وأردنيين. كذلك تحجيم الروس عن الاندفاعة السريعة في المنطقة، من خلال إغرائهم بأن التفاهم على المصالح في سوريا يوصل للتفاهم في ملفات جزيرة القرم وأوكرانيا والدرع الصاروخي. كل هذا يقود الى هدف أمريكي كبير وهو قيادة العالم مع تجنب الهيمنة، لان الهيمنة جلبت لهم كوارث كبرى على الصعيد الاقتصادي والسياسي والأمني في عهد بوش، وقد يكون ترامب قادرا على القيام بهذا الدور لانه رجل عملاني وليس أيديولوجيا.

لكن من الجانب الآخر يمكن أن تكون التحولات السياسية للضربة مصدر ضغط على الجميع. قد تخلخل العلاقة مع روسيا الى أبعد حد، وقد يتصرف الايراني ومليشياته بحماقة، وقد يتمسك حلفاء الاسد به أكثر من قبل، وقد تتوهم المعارضة السورية أن عصرا أمريكيا جديا قد بزغ، فتمارس دور المعارضة العراقية ما قبل الغزو، فتدعو الى المزيد من الضربات وتسقط في فخ التجحفل مع الاجنبي ضد الوطن. لكن الاهم من كل ذلك هو أن يساور العالم شعور بأن الرئيس الذي يغير مواقفه مئة وثمانين درجة خلال ساعات وليس أسابيع أو أشهرا، كيف يمكن الوثوق به ومن الذي يضمن التزامه بالعهود والمواثيق التي تنظم العلاقات الدولية.

السؤال الاهم هو أن هنالك الروسي فلاديمير بوتين، رئيس دولة عظمى أيضا، وهو الاخر يصعب توقع أفعاله، أذن هل سيرد؟.

يقين نت

ب ر

تعليقات