الخميس 17 أغسطس 2017 | بغداد 47° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

مقترح حوار عربي مع إيران.. هل هو مضيعة للوقت؟

مقترح حوار عربي مع إيران.. هل هو مضيعة للوقت؟

يقيناً لن تتحول الجغرافيا الإيرانية الى مكان آخر فهو وجود حتمي أبدي. وعليه ينبغي البحث عن حلول حقيقية لنزع فتيل أزمة العلاقات العربية – الايرانية، التي باتت وكأنه لا حل لها إن كان عاجلاً أم أجلاً.

العطب السياسي في العلاقات الدولية دائمًا ما يستنزف موارد الدول، وينفخ في روح التآمر فيعطل الكثير من مشاريع التنمية ويهدر الكثير من الفرص. ومن حقنا أن نتساءل ماذا لو كان الجوار الايراني مع الامة العربية عاملاً إيجابياً فاعلاً؟

كيف سيكون وجه المنطقة لو كان هنالك تفاعل حضاري بين الامتين يهيئ فرصًا كبرى للنهوض؟ لكن القدرية الجغرافية والدينية والتاريخية عوامل ضاغطة على الشخصية الايرانية، وهي التي حددت نوعية علاقتهم مع العرب وجعلتها في هذا الوضع المتدني، والذي لا يوجد فيه أي مستوى من العقلانية. فالقدرية الجغرافية هي التي تصنع الاهداف والمسلمات، وهي التي تفرض مناطق النفوذ والاحتكاك، وهي التي ترسم خطوط التعارض وخطوط الوئام، وكلما قويت دولة شعرت الجغرافية الاخرى بالضعف، فاستنفرت قواها وحشدت طاقاتها للتحدي. ولو نظرنا الى علاقة إيران مع العرب نجد هذه الصورة واضحة جداً. فكل حروب إيران كانت في الاراضي العربية، وعلى مر التاريخ جعلت من العراق والخليج العربي منطقة احتكاك تاريخي بينها وبين الامة العربية، وفي كل حالات الازدهار التي شهدتها العلاقات بينهما على قلتها، كانت تنظر اليها إيران على أنها تعاون تكتيكي مؤقت من ضمن الاهداف الاستراتيجية البعيدة المدى. أما في القدرية الدينية، فإن الكثير من الساسة الايرانيين يجاهرون بالقول بأن الاسلام كان أقسى استعمار عرفته إيران في تاريخها، لأنه حطم مشروعهم الامبراطوري المكتمل وفرض عليهم العودة الى نقطة البداية. وبالتالي فإنهم يُحمّلون هذا الدين تأخر صعودهم الحضاري.

إننا لا نشكك هنا إطلاقاً بإسلام الإيرانيين، لكن الساسة الايرانيين ذوي النزعات الامبراطورية هم من يتجرأون بتبني هذا الخطاب، وخطابهم هذا هو الذي برر للآخرين القول بأن إيران باتت تستخدم الدين كغطاء لتنفيذ مطامحها الامبراطورية. فهي تكرس في دستورها حاكمية مذهب معين وتتحرك في مواقع لمذهب آخر، والهدف هو خلق مواجهة بين هذا المذهب والآخر، وهو العامل الذي أثار الطائفية ودعا الاطراف الاخرى لشن هجوم معاكس. ولو نظرنا الى العامل الثالث أي القدرية التاريخية، سنجد أن العقل الايراني قد تشكل على أساس الخوف من العرب، وأنهم جزء أساس من الامبراطورية الفارسية، وبقي في وعيهم ولاوعيهم أن مسرحهم التاريخي هو الهلال الخصيب وما بعده. هذا الفهم هو جزء اساس من الشخصية الايرانية قبل الاسلام وبعده، وقبل ثورة الخميني وبعدها كذلك. أي أن التاريخ القديم أثر في السلوك الايراني اليوم، وزاد من هذا السلوك الحرب العراقية – الايرانية، ثم غزو واحتلال العراق في العام 2003.

فهل دعوة زعيم التحالف الشيعي العراقي لفتح حوار عربي إيراني بوساطة عراقية، والتي أطلقها خلال لقائه الرئيس المصري في زيارته الاخيرة الى القاهرة، هي فعلاً دعوة منطقية؟ أم أنها لعبة مساومات سياسية ومنازلة هدفها ابتزاز هذا الطرف وذاك؟

في علم السياسة يُعرّف الوسيط بأنه من يكون جديراً بالثقة من كل الاطراف المتنازعة، وأن يكون على علاقة متساوية البعد بينهما وليس لديه ميل لطرف على حساب آخر. ولو نظرنا الى موضوعة الثقة فالكل يعرف تماماً بأن الثقة تكاد تكون معدومة بين الدول العربية والحكومة العراقية، وهو موقف يأتي من الطرفين وليس من طرف واحد. بمعنى أن لا الحكم في العراق يثق بالعرب، ولا العرب يثقون به كذلك. أما بالنسبة للحيادية فالكل عرباً وأجانب يعرفون تماماً طبيعة العلاقة بين السلطات الحاكمة في العراق وإيران. فغالبية الرموز السياسية التي تتولى الحكم، ومن ضمنهم من أطلق المباردة، نشأوا وترعرعوا في إيران وكان لهم وما زال مشروع هم أدواته. كما أنها تحتفظ بسيطرة تامة على مؤسسات مدنية وعسكرية فيه لها دور اساس في عملية صنع القرار العراقي.

وعليه فإن نزاهة الوسيط العراقي هنا تكاد تكون ضربًا من الخيال، وبالتالي فإن علاقته بإيران ترتب عليه تعارضاً كاملاً مع مصالحه مع متطلبات حياده كوسيط ويحد تماماً من قدرته على أداء هذا الدور. هنا يجب أن نُذكّر بأن لزعيم التحالف الشيعي تصريحاً سابقاً قال فيه، إن على العرب أن ينسوا أن العراق هو بوابة شرقية لهم بوجه إيران. أي هو قد تنازل تماماً عن دور العراق في حفظ الامن القومي العربي. في الوقت نفسه لم نسمع منه يوماً أي قول يمس إيران، على الرغم من كل الكوارث التي جلبتها على العراق، وبذلك يسقط شرط الحيادية في وحل التبعية. مع العلم أن وزير الخارجية العراقي قام قبل فترة وجيزة بدور الوساطة بين إيران والسعودية لكنها فشلت أيضاً. والاكثر غرابة أن الحكومة العراقية التي تبحث لها عن دور إقليمي يغطي على فشلها الكارثي في كل الجوانب، هي الأكثر حاجة الى وسيط يقرب وجهات النظر بين أطرافها المتنازعة. فهنالك صراع بين أطراف البيت السياسي الشيعي أنفسهم، وبين هؤلاء وشركاء العملية السياسية من السنة، وصراع بين الحكومة والاكراد، والصراع الاكبر بين الجمهور والسلطات المتهمة بالفساد ونهب المال العام.

إننا نرى بأن أي حوار مع إيران في ظل سياستها الحالية هو مضيعة للوقت ومحكوم عليه بالفشل، وهو محاولة لشرعنة ما تقوم به في المحيط، ليس في العراق وحده بل في أماكن كثيرة. فهي لازالت تمارس اللعب بوجوه كثيرة ومتناقضة لفرض مصالحها. فمرة تظهر وجهاً فارسياً قومياً متعصباً نرى الكثير من عناصره موجودة اليوم في الساحة السياسية. ومرة أخرى تقدم نفسها على أنها زعيمة مذهب، وبهذه الحجة تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى، وتحاول أن تكون أحن على مواطنيهم منهم. وكل هذه الوجوه طاردة لاي تحرك يحاول إصلاح الامور وتثير قلقاً حقيقياً لدى العرب.

وإذا كان زعيم التحالف الشيعي قد وجد السلطات في مصر خير باب لطرح مبادرته، فإن الاهداف والدوافع معروفة. فالظروف التي مرت بها مصر خلال السنوات الاخيرة قزّمت دورها وأبعدتها عن المشهد تماماً، وجعلت السلطة السياسية فيها تمارس اللعب على حبال السياسة في سبيل الابتزاز. هنالك محاولة لإظهار التقرب من إيران عبر أطراف محسوبة عليها، وإقامة علاقات مع حلفائها في سوريا والعراق، كي تُفتح خزائن الخليج خوفاً عليها فيتم إنقاذ اقتصادها كي ينجح الحاكم. وهي لعبة التقارب نفسها من روسيا لدفع أمريكا لزيادة الدعم للحاكم المصري. أما أهداف السلطة في العراق من هذه المبادرة فهي لا تقل انتهازية عن تلك. فلسان حالهم يقول قفوا في حضرة حاكم مصر والقوا مبادرتكم بين يديه، فتصيبوا هدفين في آن واحد: أولاً رسم صورة بأن العراق بات موثراً في الاقليم ويطرح مبادرات. والاخرى إبراز صورة أن حاكم مصر هو زعيم الامة، على حساب السعودية التي أرسلت وزير خارجيتها إليهم.

يقين نت

ب ر

تعليقات