الإثنين 21 أغسطس 2017 | بغداد 29° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

معركة الفلوجة… كسب أرض وخسارة شعب... د. مثنى عبدالله

معركة الفلوجة… كسب أرض وخسارة شعب… د. مثنى عبدالله

قالوا بأن معركة الفلوجة جهد عراقي خالص لإنزال الهزيمة بتنظيم الدولة وتحرير أهلها المرتهنين. لكن الصورة على أرض الواقع تبين أن الطائرات الأمريكية هي التي تقصف، والمستشارين الامريكان هم الذين يعطـــون الاســـتشارة، والقــــادة العسكريين الإيرانيين يصولون ويجولون في محيطها وأطرافها، محفوفين بعناصر الميليشيات، الذين راحوا يقلدونهم في شكل اللحية، ولكنة اللسان والزي العسكري، والرايات الخضراء والصفراء الملفوفة حول الأعناق.

لا شيء يشي بأن معركة الفلوجة تختلف عن معارك صلاح الدين أو ديالى أو محيط بغداد، بل حتى أنها لا تختلف كثيرا عن المعارك التي تجري في سوريا. حصار مدن وتجويع الأهالي، وقادة فيلق القدس الإيراني يظهرون في الصور، عاكفين على خرائط مدننا يمزقونها الواحدة تلو الأخرى، تحت نيران القصف الروسي والأمريكي، فيعزلون الطوائف والأديان عن بعضها، والقوميات عن غيرها، بينما تسقط المؤسسات العسكرية النظامية الواحدة تلو الاخرى، لحساب المليشيات العابرة الحدود الممولة والمدربة والمؤدلجة إيرانيا حتى النخاع.

لذلك تعددت الجبهات وتنوعت القضايا لأن المشروعين الأمريكي والإيراني، يقومان على نظرية الاضطراب الذي يخلخل الضغط الوطني فيجعله واطئا، كي يمهد الطريق للضغط الطائفي والإثني بأن يصبح هو العالي. وهذا هو الذي وضع الإيراني جنبا إلى جنب الروسي والأمريكي في كل الجبهات، لانه هو المقاول الثانوي الذي حجمه ودوره يتلاءم مع ترتيب مدننا وأحيائنا وأزقتنا، وحتى بيوتنا الجديدة وفق المنظورين الروسي والأمريكي. عليه ليس مفاجأة كبرى تلك الصور التي وزعتها وسائل اعلام إيرانية، يظهر فيها قائد القوات البرية الإيرانية رفقة قاسم سليماني، وهما يزوران محيط الفلوجة ويجتمعان بقادة المليشيات المحيطة بالمدينة، لأنها رسالة يجب أن تصل إلى الجميع هدفها الأول، هو عزل العراق تماما عن أي صلة له بالعروبة، وبالتالي قطع أي دعم عربي له حتى لو كان بالمواقف.

أما الهدف الثاني فهو الإصرار على أشعار السعودية والخليج العربي، بأن الساحة العراقية هي جزء من الصراع البيني الايراني معهم، وبالتالي فإن رسالتهم هذه تقول إننا هنا ونحن من يقرر مصير العراق حاضره ومستقبله، في كل المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية.

ومع كل هذا التكالب الإقليمي والدولي المشترك الذي يصب جام غضبه على الفلوجة، ومع كل الأهازيج الطائفية والتهديدات المسعورة التي سمعناها على ألسنة قادة المليشيات، يعلن رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة من مقر عمليات المعركة، أن النصر أصبح باليد وأن قواته أرجأت الهجوم بسبب المخاوف على سلامة المدنيين. وأردف قائلا، كان من الممكن أن تحسم المعركة بسرعة لو لم تكن حماية المدنيين ضمن خطتنا الأساسية. وعلى الرغم من أنه قال ذلك بالصوت والصورة وبكامل قواه العقلية والجسدية، فقد أنكر زعماء المليشيات المتعطشة لدماء العراقيين كل ما قال، وأعلنوا أن القائد العام لم يرجئ المعركة، وأنهم ماضون فيها حتى النهاية، ليتبع ذلك توضيح من مكتب رئيس الوزراء يتنكر لما قال على الملأ، مما يشير وبوضوح تام إلى أن صانع قرار المعركة ليس القائد العام للقوات المسلحة، وحتى ليست الحكومة العراقية، بل هو الحرس الثوري الإيراني، ومن ينفذ القرار هم جنود الولي الفقيه المنتشرين على شكل ميليشيات. ومنذ بداية المعركة رجحت أوساط سياسية دولية بأنها جاءت نتيجة رغبة إيرانية، هروبا للأمام كي لا يستفحل خلاف رفاق البيت السياسي الشيعي، الذي برز مؤخرا على خلفية التظاهرات واقتحامات المنطقة الخضراء، وكي لا تتقاتل بنادق المليشيات مع بعضها بعضا، أي أن إيران أرادت من حث الحكومة والمليشيات العراقية بالهجوم على الفلوجة، إعادة صياغة قضية توحيد البيت السياسي الشيعي وإبعاده عن حافة الانفجار.

في حين كانت الرؤية الأمريكية تقول بأن معركة الفلوجة يجب أن يسبقها تحرك سياسي، مبني على تفاهمات تعيد بعض الزعامات السُنيّة إلى العملية السياسية، بعد إسقاط التهم وقرارات التجريم التي صدرت بحقهم، خاصة أولئك الذين صنعتهم الولايات المتحدة وأدمجتهم في النسيج السياسي الجديد بعد الاحتلال. كما أنها كانت تريد الشروع في الإعداد والتجهيز والتخطيط لمعركة الموصل قبل الفلوجة، لتأمين مناطق الحليف الكردي من خطر تنظيم الدولة أولا، وللأهمية المعنوية والمادية الأكبر لمدينة الموصل بالنسبة لتنظيم الدولة والامريكان معا.

في هذا الوقت بالذات تظهر المعاناة الإنسانية لسكان الفلوجة والنواحي المحيطة بها، بما يُكذّب كل الادعاءات الحكومية بأن المعركة نظيفة وخالية من الانتهاكات بحق المدنيين، فقد بدأت تتوالى صور قطع الرؤوس والإهانات تظهر في مواقع التواصل الاجتماعي، بما يؤكد المسار نفسه الذي سارت به معارك تكريت والمقدادية وبيجي وغيرها، بل إن الشريك في العملية السياسية الحزب الاسلامي العراقي، أعلن ممثله رئيس البرلمان سليم الجبوري، أن انتهاكات حصلت على المدنيين الخارجين من الفلوجة، ارتكبتها عناصر من الشرطة الاتحادية والمتطوعين، ولا نعلم هل سيخفي الوقائع كما أخفاها في المقدادية، عندما أخرج ورقة من جيبه أمام الإعلام، قال إن فيها أسماء من ارتكبوا الجرائم، ثم انتهى الموضوع، من دون أن يحصل اي تحقيق فيه؟ كذلك أصدر مركز جنيف الدولي للعدالة نداء استغاثة إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة، محذرا من حرب إبادة طائفية ضد أهل الفلوجة بغطاء أمريكي ودعم إيراني، مصنفا الحدث بأنه يرقى إلى عمليات إبادة جماعية تستهدف المدنيين العُزّل. فهل هدف السلطات العراقية تحرير الأرض دون البشر؟ وما هي القيمة المعنوية لربح الأرض وطرد العدو، إن كانت فيها خسارة شعب وانتهاكات ضد النساء والأطفال والشيوخ والعجزة؟ فالحروب ليست صفحات عسكرية وحسب، لكنها هي أيضا صفحات سياسية وإنسانية وعمرانية، ويجب أن تُلبى فيها شروط التعامل الانساني مع المدنيين العُزّل، الذين لا حول لهم ولا قوة في الصراعات التي غالبا ما تأتي من خارج إطار اراداتهم.

إن النصر لن يتحقق إن كان مسك الأرض هو الأهم ومتقدما على تعزيز الوطنية لدى الإنسان، وأن الجيوش وإن انتصرت بمسك الأرض، تبقى روح الانهزام تمور في دواخلهم وهم يرون ويلمسون الكراهية لهم في عيون الناس. وهذا الذي سيحصل في الفلوجة وفي غير الفلوجة، لأن العقيدة التي تقود المعركة عقيدة طائفية، وأن صانع القرار السياسي لازال يؤمن بالتهميش والاقصاء ويسعى إلى التغيير الديموغرافي، حيث رأينا كيف أن المناطق التي طُرد منها تنظيم الدولة، لم يسمح لسكانها الاصليين بالعودة إلى مساكنهم ومزارعهم حتى اليوم.

إن سياسة الاغضاب اللامحدود والعسكريتارية الطائفية التي أنتجت العنف والتطرف في العراق، لازالت هي هي كما كانت رغم الكوارث التي جلبتها على الانسان والوطن، بل يبدو أنها باتت هي المنهج الذي تسير عليه السلطات في تسييسها للأمور، لكن لا عاقل يفهم بأن من السهل أن تفتح فوهات المدافع كي تطلق حممها، لكن من الصعب جدا أن تخمد نيران الثأر والانتقام المضاد لدى المضطهدين.

يقين نت + وكالات

ب ر 

تعليقات