الإثنين 29 مايو 2017 | بغداد 30° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

السؤال العربي والإقليمي في "فصل" شمال العراق

السؤال العربي والإقليمي في “فصل” شمال العراق

هناك، أشعلوا الحرب وأداموها منذ عام 1955م، وعِبرها عمّقوا أسباب التقسيم يوما بعد يوم – لنحو 60 عاما- حتى وفروا غطاءا شعبيا للتقسيم والانفصال، خلاصا من بحر الدماء واستنزاف الثروات.

دعموا قوات المتمردين وشكلوا مؤسسات دولة انفصالية، ودعموا أفكار انفصال الهوية والمعتقد على أساس التعادي غير القابل للحل، وأذاقوا الشعب السوداني مرارة الموت الدائم والدمار بلا حدود، وحين آن أوان إعلان الانفصال، كثفوا الضغوط الاقتصادية والسياسية على حكومة السودان وهددوها عسكريا ووضعوا البلاد على قائمة الإرهاب وحولوا الرئيس إلى مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية.

شكلوا آليات ولجان للتفاوض تحت إدارتهم، ليعلنوا من خلالها قيام دولة جنوب السودان على أنقاض دولة السودان -عبر ما سمى باستفتاء تقرير المصير- ليبدأ فصل جديد آخر من عمليات إثارة الفوضى والاضطراب “في السودان الباقي بعد التقسيم” تمهيدا لتقسيم جديد، إذ غطاء التقسيم لا محطة نهائية لتوقفه.

وفي العراق، رأينا كل المراحل حتى صرنا على عتبة المرحلة الأخيرة، كان الشمال مستهدفا منذ تاريخ مشابه لبداية الأعمال التحضيرية في جنوب السودان ووفق خطة مشابهة، بل كان لافتا أن شهد شمال العراق –كما شهد جنوب السودان- دورا صهيونيا في التدريب والتسليح والدعم المالي والسياسي والديبلوماسي للمجموعات المسلحة والنخب الانفصالية.

جرى الفصل الثقافي والنفسي على أساس عرقي بين شمال العراق وجنوبه، ودخل الدم خطا أحمر عبر نشاط تلك العصابات المسلحة ليمنع بقاء حالة الدولة الوطنية، موحدة، جرت الحرب على العراقيين لكي يروا الوحدة شرا وكلفتها دماء ودمار، وجرت عملية خداعية لتزيين التقسيم وجعله حلا.

كان فرض حظر الطيران الوطني العراقي فوق أراضي شمال وجنوب العراق بداية إطلاق الحركة الواسعة المتتالية لفعاليات الخطة، إذ سمح بتشكيل واستقرار مؤسسات الدولة الانفصالية، ودخل الخبراء الأجانب من كل أجهزة المخابرات إلى أرض العراق في ظل التغييب الكامل لأجهزة الدولة العراقية، مكنوا الأحزاب المتعصبة كرديا من السيطرة على الأرض وساعدوهم في تشكيل المؤسسات الحزبية والسياسية ومؤسسات الدولة، التي صارت في وضعية ومظهر الدولة المستقلة، ودفعوا بها للواجهة لتبدو قيادة لهذا القسم من الشعب العراقي في إدارة مناورات خطة التقسيم مع استمرار ضبط ايقاع حركتها عمليا عبر الخبراء وصفقات السلاح والدعم الدبلوماسي والإعلامي .. الخ.

وشهد الأمر تصعيدا وتكثيفا وتعميقا أو تفعيلا لعمليات الانفصال، مع بدء احتلال العراق، جرت المعارك في الوسط وجرت أعمال فوضى الاقتتال، ليعيش الشمال الكردي في وضع يسابق الزمن لتعميق بناء مؤسسات الدولة الانفصالية، ووضع الاحتلال دستورا يحض ويقنن ويدستر كل أشكال الانفصال والانقسام للشمال ولكل من يريد –على طريقة إشاعة الفاحشة عبر تعميمها- وتحددت مناطق سميت بالمتنازع عليها لتحديد خرائط الحدود وفتح الطريق أمام حسم الصراع النهائي عسكريا كان أو تفاوضيا.

حتى وصلنا إلى أيامنا السوداء الراهنة التي يتحدث فيها العبادي عما يجرى في إعلان تفكيك العراق –عبر استفتاء كردستان على الانفصال- لتصبح مسألة تفكيك وتقسيم وإنهاء وجود الوطن العراق قضية تتعلق بالوقت لا بالمبدأ الوطني، وهنا تطرح أسئلة عراقية، بعضها يتعلق بإمكانيات تبلور حركة التقاء وطني جامعة لتحدي هذا الخط التفكيكي، وبعضها يتعلق باحتمالات تغيير التحالفات وإعادة صياغة أولويات قضايا الصراع لمواجهة هذا الخطر الأكبر، وبعضها يتعلق بكيفية إدارة هذا النمط الوطني من الأزمات .. الخ.

لكن سؤال تقسيم العراق، ليس عراقيا فقط، فسؤال التقسيم كان منذ البداية سؤال أمريكي – وصهيوني- وإجابته لم تجر على الأرض إلا تحت سطوة الاحتلال، إذ كانت أعلى علامات السير فيه، صدور قرار بالكونجرس قدمه نائب أوباما فيما بعد –جون بايدن- وهو ما جاء ترجمة دقيقة لتشكيل سلطة سياسية في العراق لا دور لها إلا تعميق حالة الانقسام والكراهية وصولا للتقسيم, وقريبا سنسمع عن دعوات لمفاوضات تحت إشراف دولي أو أمريكي لإنفاذ استفتاء حق تقرير المصير –للأكراد في الشمال ولكل من يريد من الآخرين أيضا ليحدث نفس ما حدث للسودان.

كما أن سؤال التقسيم هو سؤال عربي وإقليمي أيضا، وهو سؤال لا يزال ينتظر الإجابة، فإن صمت العرب أو تخاذلوا – كما جرى الحال حين امتنعوا عن مساندة المقاومة العراقية كعنوان وطني لمواجهة الاحتلال والتقسيم – فعدم إجابتهم على تحدي خطة تقسيم العراق (في مرحلتها الأخيرة حاليا) سيكون الخطأ الاستراتيجي الثاني الذي سيترجم فوريا هذه المرة على أرض دول عربية أخرى، إذ تقسيم العراق، قرار عابر للحدود وليس عملية مخططة لإعادة هندسة معالم القوة العراقية لإضعافها ودفعها للتقاتل عبر خنادق انفصالية.

هو قرار بتقسيم الدول الأخرى، وها هي سوريا وقد مرت بكل الأعمال التحضيرية لأعمال خطة التقسيم وتفعيلها، وقطار التقسيم، إذا انطلق لا محطة ختامية لتوقفه.

وسؤال التقسيم هو سؤال إقليمي أيضا، وهو مطروح على تركيا وإيران، وإن حاول البعض او فكر بمنطق اغتنام الفرص وتحقيق المصالح الآنية من خلال تقسيم العراق، فتلك إجابة بتعميم التقسيم وعبوره إلى كلا الدولتين، غدا وليس بعد غد.

 

المصدر:خاص يقين

تعليقات