الثلاثاء 22 أغسطس 2017 | بغداد 42° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

إرهاب مزدوج

إرهاب مزدوج

 

لعل أبرز صفة يتصف بها القتلة المحترفون هي أنهم يقتلون بقلب ميت وأعصاب باردة وضمائر مجمدة وشهية عالية لرؤية الدم، وإذا ما تألم الضحايا أو انتفض مناصروهم أو المتعاطفون معهم، فإن الجناة تأخذهم نوبة غضب هستيرية لتوجع الضحايا وآهاتهم فيبادرون بكيل الاتهامات يمنة ويسرة علّ حجارتهم الطائشة تصيب أحدا.

وتأخذ هذه الصفة عند ممتهني السياسة في عراق ما بعد الاحتلال بعدا آخر في غاية اللؤم والانحدار القيمي، لا يتوقف عند حد التفسيرات الطبيعية للظلم إذ يتعداها إلى توجيه تهمة جاهزة في جيوب دهاقنة التحالف الشيعي خاصة، وهي أن المتوجعين أو من يتعاطف معهم أو يطرح قضيتهم هو إرهابي مع سبق الإصرار ولا يوفرون في هذه التهمة حتى زملاءهم في العملية السياسية، وبذلك يظن محترفو القتل والجريمة المنظمة والذين التحقوا بزورق العملية السياسية المخروق “لأنهم من طينتهم ومعدنهم الصدئ ولم تجد أفضل منهم للركوب فيه”، يظنون أنهم استطاعوا إسكات الأصوات كلها عن قول كلمة الحق بوجه سلاطين الجور والظلم وسراق المال العام وسفاكي الدم الحرام.

ولهذا بات كل من يتعامل مع الملف الإنساني بما فيهم بعض أطراف العملية السياسية الذين يحاولون تبرأة أنفسهم من جرائم ليس بوسعهم الدفاع عنها، بات يشعر وكأنه يسير في حقل ألغام، لأن الضمائر الميتة التي تقتل بلا وجع قلب، أسهل عليها أن تكيل التهم للقريب والبعيد بتبني خط الدفاع عن داعش ولكل من يرفع يده وصوته مطالبا التحالف الشيعي ومليشياته التي لا تضم في صفوفها إلا القتلة ومهربي المخدرات ومدمنيها وسراق المال العام والمتسكعين على أرصفة الزمن الرديء الذي انتشلهم من وهدة الضياع وألقى بهم على كراسي المسؤولية.

إن من يمتلك الشجاعة على أن يقول بأن هناك انتهاكات ممنهجة وصارخة وعلى نحو مستمر لحقوق الإنسان في المناطق السنية وترتكبها قوات الحكومة بشقيها النظامي ومليشيات الحشد ومن يقف وراءها، فإن عليه أن ينتظر سيلا متدفقا من مياه الصرف تنطلق من أفواه تخرج أصحابها خلال السنوات الأربع عشرة من عمر الاحتلالين ولكنهم أخذوا بحلقات الدعاية السوداء من أحط مدارسها، وتستوي في هذا خلية الإعلام الحربي والمحللون “السياسيون” من جماعة التحالف الشيعي، أو من ألحق نفسه بهم خوفا أو طمعا أو نفاقا أو تقية، فيتبارون في تقديم أوصاف لا يقبل بها ذو عقل راجح، بأن ما يحصل مجرد حوادث فردية لا يعتّد بها، وأن “دولة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة أمر بتشكيل لجنا اختصاصية لمتابعة القضايا”، وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش، هي أول من أوردت بتقارير موثقة بأن تلك الانتهاكات منهجية ومنظمة تتم عن طريق أوامر عليا، ترتكبها قوات الحكومة ومليشياتها، فإن لجنة الإعلام الحربي تكابر وتأخذها العزة بالإثم بشكل لا يتصوره إنسان سوي يحترم عقله وذكاءه.

والغريب أن جوقة المدافعين عن جرائم ولي نعمتهم، لا يجدون غير القول بأن قواتهم ليست من الملائكة وأن الانتهاكات يمكن أن تحصل مع أكثر جيوش العالم رقيا، وبالتالي فإن هذا التفسير يركز على فردية ما يحصل وهذا إصرار على الباطل بأبشع صوره، ولكن التعكز على نتائج اللجان التحقيقية ليس أكثر من مخدر من أنواع المخدرات التي نشرها الإيرانيون في العراق وتحويل الأنظار عن أصل المشكلة، وهنا ليس أمامنا إلا طرح تساؤل في غاية البساطة، هل هناك لجنة واحدة خرجت بنتائج سواء في مثل هذه الملفات أو غيرها؟ وهل هناك عقوبات زاجرة لمرتكبي الجرائم بل من هم؟.

هناك توجه آخر لأغبياء لجنة الإعلام الحربي والمحللين السياسيين أو الاستراتيجيين المنخرطين في العملية السياسية، وهو أن هذه الانتهاكات هي رد فعل على ما ترتكبه المنظمات الارهابية، فهل تصح هذه المقارنة؟ وهل تستقيم في معادلات الدول التي تطالب بحقوق الدول ولكنها في لحظة الخيارات الحقيقية ترتد إلى جذرها كحركة إرهابية من دون زيادة أو نقصان، فهل نقبل فرضية أن دولة ما عضو في الأمم المتحدة ولها علم تقبل بأن تمارس قواتها انتهاكات لحقوق المعارضين لمجرد أنهم ينتمون لمذهب غير الذي يحمله التحالف الحاكم؟ وأين تلاشت القوانين الضامنة لحقوق الإنسان التي تتبجح دولة التحالف الشيعي التمسك بها؟

في ظاهرة باتت تشكل حالة ملازمة للمشهدين السياسي والأمني في عراق ما بعد 2003 أن “المحللين السياسيين” المدافعين عن جرائم الحكومة وانتهاكات قواتها، وخاصة من الذين باضتهم العملية السياسة، يبادرون إلى توجيه الاتهامات لكن من لا يتطابق معهم في الطرح، بأن هؤلاء المخالفين وبصرف النظر عن درجة مخالفتهم من المدافعين عن الإرهاب لا لشيء إلا أنهم أشروا بإصبعهم بالإدانة على ما يتعرض له المدنيون وخاصة كبار السن والنساء والأطفال من جرائم إذلال أو احتجاز أو اعتقال أو تعذيب أو تجويع أو تشرد في مخيمات الذل، ويتساوى في هذه التهمة كل من التحق بركب العملية السياسية ولا يشفع له أن خان أهله ومكونه فصار جزء من العملية السياسية الكسيحة، وكأن الطارئين على الإعلام من أتباع التحالف الحاكم يوزعون اتهاماتهم بعدالة.

إن التعسف في تعذيب الناس ومنعهم من التأوه ومنع أنصار الحق من المطالبة بوقف الظلم والأخذ على يده ولو بالقوة، ووصف من يفعل ذلك بأنه إرهابي يمكن النظر إليه بأنه إرهاب فكري غاشم يهدف إلى قمع الأصوات من أن ترتفع بوجه أنكر الأصوات، فإذا كان من حق الحكومة أن تصف أعداءها “وهذا قطعا ليس من حقها” فإنها أي الحكومة هي إرهابية ونص.

فأي الفريقين أحق بالأمن؟

المصدر:شبكة البصرة

تعليقات