الجمعة 15 ديسمبر 2017 | بغداد 13° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

جيل الضياع قادم في العراق

جيل الضياع قادم في العراق

 

منذ هبوب سموم الحرية والديمقراطية الأمريكية على العراق عام 2003، وبيانات المنظمات الدولية بجميع أشكالها وأوصافها واختصاصاتها، تزخر بالأرقام والاحصائيات التي تدلل على الانحطاط الذي أصاب الدولة والمجتمع.

لا شيء في الافق العراقي سوى بيانات المجتمع الدولي، التي تتساقط على روؤسنا كأوراق الخريف صفراء قاحلة من دون أمل.

والغريب أن استعراض هذه البيانات والتقارير يدلل، بلا أدنى شك، على أن الظلم والاضطهاد وهدر حقوق الانسان، تم توزيعها بشكل عادل تماما على كل فئات وطبقات المجتمع. لم يعد هنالك حال أحسن من حال، لا شمال أحسن من جنوب، ولا غرب أفضل من شرق، ولا طائفة منصورة كما يقولون ولا طائفة مظلومة، بل الكل سواسية في قعر هذا المستنقع الرهيب. إنها نار حامية الوطيس تأكل الحاضر والمستقبل، وتحيل الزمن إلى حطام يجري خلفه الجميع، من دون أن يحظوا منه على برهة سعادة، أو ومضة إنسانية، أو لمحة ضياء في آخر هذا النفق المظلم. فلقد تكاتف الشركاء المحليين والإقليميين والدوليين على صنع هذه المأساة، لكن المأساة عندما تصيب الأطفال يصبح لها طعم أكثر مرارة، وتصبح قسوتها أكثر شدة والخسائر فيها فادحة، لأن هذه الشريحة هي الأضعف على المستوى البدني وعاجزة تماما عن دفع الأذى الذي تتعرض له، كما أنها من ناحية أخرى، النواة الاساسية لحالة المستقبل، وبالتالي فإن الضرر الذي يصيبها يعطل حركة المجتمع نحو المستقبل، فتضيع فرص كبرى في مجالات التنمية ويتعثر الازدهار والتطور.

في الاسبوع المنصرم أصدرت منظمة اليونسيف للطفولة، تقريرا جديدا عن حالة أطفال العراق، وكالعادة كان زاخرا بالارقام الصادمة، لكنها كالعادة لن تدق جرس الإنذار في ضمير أي أحد، خاصة من أركان الطبقة السياسية الحاكمة، بل الغريب أنهم يستثمرون هذه التقارير، بعضهم ضد الآخر خدمة للصراع السياسي الدائر بينهم لا أكثر. فالتقرير يشير إلى ضياع جيل كامل من الاطفال، حسبما يقول غيرت كابيليري المدير الإقليمي لليونسيف لمنطقة الشرق الاوسط وشمال أفريقيا، حيث أن ثلاثة ملايين ونصف المليون طفل عراقي، باتوا قاب قوسين أو أدنى من الوقوع في شرك التجنيد، والعمل لصالح الجماعات المسلحة. والتجنيد هنا لم يعد فقط تجنيدا للقيام بعمليات انتحارية، أو للظهور في أشرطة فيديو لتنفيذ عمليات قتل رهائن، بل تجنيدا على أساس طائفي مقيت، يشرعن كراهية المختلف في الانتماء الطائفي. والسبب في ذلك كما أورده التقرير هو افتقار العراق، البلد النفطي وصاحب أقدم الحضارات في التاريخ إلى التعليم، حيث أن (نصف الابنية المدرسية في العراق بحاجة إلى إصلاحات عاجلة)، وأن واحدا من كل خمسة أطفال قد تسرب من التعليم قبل إتمام الدراسة الابتدائية، لاسباب اقتصادية. ويستمر التقرير في إيراد الحقائق فيقول إن «شحة الاستثمار والموارد في التعليم تهدد مستقبل ملايين الاطفال العراقيين، حيث يفتقر ثلاثة ونصف مليون طفل عراقي في سن الدراسة إلى التعليم، ما يعني أنهم يصبحون أكثر عرضة للزواج المبكر وعمالة الاطفال والتجنيد من قبل الجماعات المسلحة». وهنا لا بد من الاشارة إلى أن المنظمة نفسها، أعلنت في تقارير سابقة، أن طفلا من كل خمسة أطفال معرض لمخاطر الموت والاصابة، والعنف الجنسي والاختطاف والتجنيد، وأن ثلث الاطفال في هذا البلد النفطي بحاجة إلى معونات إنسانية.

وبعد أن يسهب التقرير في وصف الحالة الكارثية، يضع المدير الاقليمي شروطا واضحة للنهوض بهذا الواقع المأساوي، منها مدارس وصفوف جديدة، وبرامج التعليم المسرع، ومعلمون مهرة، ومستلزمات دراسية. وهنا تعلن المنظمة بأنها بحاجة إلى 32 مليون دولار أمريكي لتمويل برامجها في دعم التعليم في العراق خلال العام الحالي، وهي لحد الان لم تتلق سوى نصف هذا المبلغ. بينما بات أي سياسي مغمور في العراق يمتلك أكثر من هذا المبلغ أضعافا مضاعفة، من جراء الفساد وسرقة المال العام. لكن السؤال الاهم هنا هو كيف يمكن أو يتحقق النهوض بالواقع التعليمي في العراق في ظل طبقة سياسية فاسدة، بين حين وآخر يظهر فيها مسؤول كبير قام بتزوير شهادته الدراسية؟ ومن أين نأتي بالمعلمين المهرة بعد أن أجتثوا مئات الآلاف منهم، وباتت هذه الطبقة الاجتماعية تزخر بالجهلة والاميين والطائفيين، إلى حد أن أحد المعلمين يتجرأ فيُلقن طلابه سب الصحابة وزوجات الرسول الكريم صباح كل يوم دراسي، كما شاهدناه في تسجيل مصور انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا؟ أين هي أخلاقيات المهنة والانضباط السلوكي ونشر ثقافة الوعي الوطني وتعزيز اللحمة الوطنية؟ وكيف تُبنى مدارس جديدة وتهيأ مستلزمات دراسية، والمسؤول الفاسد وغير النزيه يُحيل العقود إلى شركات وهمية، تعطيه عمولته وتسرق نصف المبلغ المخصص، وتترك المشروع ليس فيه سوى حجر الاساس؟

لقد انتشر التعليم غير الرصين في العراق مؤخرا وبات تجارة رائجة، حيث توسع التعليم الاهلي، ولم يعد مقتصرا على التعليم الجامعي فحسب، بل وصل إلى افتتاح مدارس ابتدائية أهلية تفتقر إلى أبسط الشروط والمقومات، في الأزقة والحارات وفي بيوت متواضعة جدا. كما أن التعليم هو ذاته لم يعد هدفا لدى الكثير من الناس، بسبب غموض المستقبل وانتشار ثقافة الاثراء السريع، إضافة إلى أن السلطات المسؤولة ليس لديها برنامج حقيقي لإنتاج أجيال متعلمة ومثقفة. وإذا كان التعليم هو حق أساسي من حقوق الإنسان، ذكرا كان أم أنثى، وضرورة من ضرورات تحقيق التنمية ووضع البلاد على طريق التقدم والنجاح، فإنه أيضا الكابح الرئيسي لكل الأفكار المتطرفة واللاعقلانية التي قد تتسلل إلى المجتمعات، لذلك نجد جميع الدول تركز على هذا الحق في دساتيرها، وتتسابق في تحقيق نظم تعليمية رصينة تضمن بها حاضرها ومستقبلها.

لقد انتقل العراق في العهد الديمقراطي الامريكي، وفي ظل السلطة الطائفية، من مُصدّر للكوادر التدريسية إلى الكثير من الدول العربية إلى بلد يفتقر إلى هذه النخبة، بل بات المسؤول يُفاخر بأن العراق يُصدّر الميليشيات للقتال في الدول الاخرى. كما تخلى القطاع العام ممثلا بالدولة عن احتكار التعليم فترك المهمة إلى كل أمي يملك بضع دولارات يستثمرها في التعليم، وأصبح الشعار المطروح إدفع قُسطا تنجح صفا. واندثرت المدارس الحديثة والمناهج العلمية الرصينة لتتقدم عليها المدارس الطينية أو الحاويات، حيث يفترش الاطفال الارض في برد الشتاء القارس. وكل هذه العوامل كافية لصناعة جيل عراقي قادم يحمل بذور الضغينة والحقد، ويشعر بالاحباط الكامل من كل ما حوله، إنه رافض لكل الحقائق والقوانين والاعراف والنظم الحياتية، هو جيل يريد أن ينتقم لطفولته المُهانة في الشوارع حينما كان يبيع أكياس البلاستك، ويجمع القناني الفارغة من المزابل، ويقع ضحية العنف الجسدي والتحرش الجنسي، من أجل الحصول على لقمة الخبز.

المصدر:القدس العربي

تعليقات