الثلاثاء 22 أغسطس 2017 | بغداد 45° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

الموصل.. نكبةٌ أم تحرير؟!

الموصل.. نكبةٌ أم تحرير؟!

خاص وكالة يقين…

الحياة في الموصل لم تعد كما كانت، رائحة الموت والبارود تتسلل إليك من كل ناحية في أزقة المدينةوشوارعها، ووحدها الدماء النازفة والمتجمدة على طرقات المدينة كانت الشاهد الحقيقي والأصدق على ما جرى خلال الأشهر الماضية في أحياء الموصل،حيث القتال الشرس وحرب الشوارع بين القوات الحكومية والكردية ومليشيات الحشد والتحالف الدولي من جهة ومسلحي تنظيم داعش من جهة أخرى.. حرب طاحنة يدفع ثمنها أهل المدينة العزل.

بداية الحكاية مع عائلة موصلية

وهج السماء بأحياء الزنجيلي والشفاء والبورصة وأغلب أحياء الجانب الأيمن المنكوبة أغرق وجوه السكان الأبرياء المحاصرين، الذين يعلو وجوههم الخوف ويتصبب منها العرق الممزوج بالدماء والغبار، لهول القصف الجوي والمدفعي الذي انهال على الحي من كل حدبٍ وصوب.. هؤلاء السكان الأبرياء تنظر إلى أعينهم وقد اغرورقت بالدموع،وألسنتهم وهي تلهج بالدعاء لرب السماء أن يخلصهم وينقذهم من عذابات هذا القصف المجنون،وترى على محياهم أثر الجوع الذي فتك بهم واضحًا على مَرِّ الأشهر التي مضت.. بعد الليلة الدامية المرعبة التي عاشها السكان هُرِعوا ليتفقدوا من بقي منهم على قيد الحياة، حتى يعيشوا يومهم ذاك ليروا بعده فصلا جديدا من المعاناة والألم والقهر ليلة أخرى، ولربما ساعات، كما حصل مع أبنائهم وفلذات أكبادهم، أخرجوا من تحت الأنقاض شهيدهم رائد (20 عامًا) بعد أن رزح تحت الأنقاض عدة أسابيع ولَم يتمكنوا من انتشاله بسبب ضراوة المعارك والقصف، تلك الأسابيع كانت كافية لأن يتحلل جسده وتُشوه معالم وجهه، ولا تزال جثث مطمورةتحت الأنقاض بانتظار آليات الدفاع المدني لانتشالها. فصول الموت التي عاشها أهالي الجانب الأيمن والأيسر في الموصل الحدباء لم تنل من أرواح سُكانها المدنيين فحسب، وإنما وُزع الموت على الشجر فتحولت جذوره إلى رماد في باطن الأرض،وتحولت حدائقها إلى مدافن للضحايا الذين لم يتمكن ذووهم من دفنهم بسبب اشتداد نيران القصف المدفعي وسقوط عشرات القنابل الثقيلة التي بلغت أطنانًا، كما نال الموت من الطيور والحيوانات ودور العبادة والمدارس وكل نواحي الحياة، إذ واجه جميع المدنيين العزل المصير المجهول نفسه. على أنقاض منازلهم المدمرة والتي سويت أغلبها بالأرض، كان معظم من نجا واقفا على أطلال بيوتهم المهدمة متأملين ذكرياتهم، ولسان حالهم يقول: كان لي بيت هنا وأحلى ذكريات، أحلام وشباب وأصداء، ضحكات وجيران وأصدقاء أهل حارة واحدة، كلهم دفنوا تحت الأنقاض.. وفي أحياء المدينة القديمة في الموصل، لم يكن الأمر مُغايرًا، فشبح الموت يخيّم على المدينة هناك، والدمار يحيل وجه المدينة الجميل إلى خرائب تفوح منها رائحة الموت من كل جانب، رغم شراسة المعارك التي خاضها تنظيم داعش، إذ شاهدت تقارير مفصلة من هناك لمحطات غربية كـ«BBC وcnn»،تظهر بقايا العتاد والأسلحة والجثث لمدنيين وعسكريين ولمسلحين من داعش وبزّات عسكرية تُشير إلى وقوع عدد كبير من القتلى في صفوف طرفي النزاع بالموصل، كما شاهدت آثار وبقايا البراميل المتفجرة والصواريخ ذات القدرات التدميرية العالية التي كيلت وبقوة على سكان المدينة العزللإبادتهم، وهذا النوع من القصف لا يُفرِّق بين مسلح ومدني، وله قوة تدميرية على نطاق واسع.. الحاجأبو محمد الحيالي كان شاهدًا على المأساة، وهو واحد ممن نجوا من الموت بقدرة الله، يقول: «اختبأنا في بيت قريبي الحاج أبو فراس، كنا 7 عوائل، نساء وأطفال وشيوخ، ومع اشتداد قصف المدفعية والطيران الحربي والمروحي بدأنا بالنزوح، ومع آخر موجات النزوح أصيب المنزل وسقط على رؤوس من فيه»، ويُتابع بحرقة وبكاء: استشهد كل من في المنزل، فيما بقي ابنه علي الذي يُعاني من مرض نفسي يُصارع الحياة تحت الأنقاض ولا يُعرف مصيره حتى الآن.

يفرون من الموت إلى الموت

في خضمّ كل تلك المجازر اليومية والانتهاكات البشعة لحقوق الإنسان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يتعرّض لها أهل السنة في مناطقهم على يد القوات المتحاربة، وبينما تستمر آلة القتل بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في حصد أرواح عشرات المدنيين العراقيين يوميا، تبرز مأساة النازحين داخليًا كواحدة من أكبر المشاكل التي أفرزتها الحرب التي شُنت على مدننا، بعد أن أشارت تقارير دولية عديدة إلى أرقام مرعبة فيما يتعلق بهذا الأمر، فقد أشارت الأرقام التقديرية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى وجود أكثر من 4 ملايين نازح، أغلبهم لجأوا إلى إقليمكردستان العراق، في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة اليومية كالماء والغذاء والدواء، ولا يشمل هذا الرقم موجة النزوح والفرار الأخيرة من مناطق الموصل وكركوك وتلعفر التي أدت إلى نزوح ما لا يقل عن 500 ألف بحسب منظمات تابعة للأمم المتحدة والتي أعلنت -مرارا وتكرارا- عجزها عن إيواء كل هذا العدد من الفارين من معارك الموصل، التي غابت عنها كل القوانين والأنظمة الإنسانية السماوية والموضوعة، وغابت عنها أيضا قواعد الاشتباك التي تضمن حماية المدني وعدم المساس به، القانون الدولي الإنساني ينص على حماية السكان من النزوح وأثناءه بصفتهم مدنيين عزل، شريطة ألاّ يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية، ويضمن القانون نفسه وصول المنظمات الإغاثية والإنسانية إلى النازحين داخليًا، ويوجب على أطراف النزاع والقوى المتحاربة ضمان وصول المواد الإغاثية إليهم.

تعتبر معاناة النازحين داخليًا في العراق واحدة من أصعب المآسي التي يتعرض لها أهل السنة في بلاد ما بين «القهرين»، فإن النازحين داخليًا يعانون أضعافًا مضاعفة؛ فهم علاوة على كونهم قد فقدوا منازلهم وهجروا قسرًا من مدنهم وقُراهم فإنهم يواجهون خطر الموت يوميًا؛ فالمناطق التي ينزحون إليها لا تقل خطورة عن مناطقهم التي نزحوا منها،كما هو الحال في صحراء الأنبار وقرب الموصل ومخيمات قرب قضاء القائم أقصى غرب العراق..النازحون السنة ليسوا مجرمين ولا دواعش ولا من «البعث الصدامي» كما يروق لبعض شركاء الوطنتسميتنا، بل هم من سكان العراق الأصليين وهم بشر في نهاية المطاف، ليس لهم حول ولا قوة.. الكل يتاجر بهم من ساسة منبطحين ورجال دين ومن تجار الحروب المتعطشين إلى المال والدماء.. هم بشر يحاولون البقاء في عالم متوحش يرفضهم في عالم غير عادل وغابت فيه عدالة البشر ومنظماتهم وقوانينهم، لكن لم تغب عنه عدالة قاصم ظهور الجبابرة والطغاة.

المصدر:خاص وكالة يقين .

تعليقات