الثلاثاء 22 أغسطس 2017 | بغداد 42° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

في العيد يُذكر حارث

في العيد يُذكر حارث

رجل ليس كباقي الرجال؛ إنه المغفور له بإذن الله الشيخ الدكتور (حارث سليمان الضاري)، أشهر مؤسسي هيئة علماء المسلمين في العراق وأمينها العام الراحل، وأكثر مناهضي الاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق صلابة وشكيمة، الذي رفع شعار (اللاءات الخمس) وناضل من أجله طوال حياته، والذي تحمَّل العبء الأكبر لمشروع المقاومة العراقية الشريفة؛ فذكراه في قلوب ووجدان العراقيين والعرب باقية وستظل بأنه المقاوم الذي نذر نفسه وكرس جهده وعمل بتفان وإخلاص لتحرير وطنه، والرجل الذي يكبره العدو قبل الصديق، والشيخ الذي تبوَّء مكانة عظيمة في نفوس جماهير شعبه وأمته العربية والإسلامية بل والإنسانية جمعاء، وكيف لا؟ وهو العراقي الأصيل الذي جسد معاني العزة والإباء ووقف بوجه أكبر قوة احتلت وطنه سائرًا على نهج جده (ضاري المحمود) شيخ قبيلة زوبع وأحد قادة ثورة العشرين الخالدة الذي أبكى لندن وهزَّ عرشها.

وقد نقش الشيخ حارث سيرته كنموذج للقيادات العشائرية والدينية الوطنية الملهمة الحكيمة التي تجمعت وتوحدت حولها قلوب العراقيين جميعًا، وقد حفل سجله بصفحات سطرها التاريخ بأحرف من نور على مدى نحو 74 عاماً متواصلة من العمل الدعوي والعطاء العلمي والنضال الوطني في سبيل إنهاء حالة الاحتلال من خلال تكثيف الجهود الهادفة إلى التنبيه من المخاطر المحدقة بمصير الوطن والأمة، وحثّ العراقيين على نبذ الطائفية، ورص الصفوف، وتوحيد الكلمة والموقف، والتعالي على الجراح، والابتعاد عن المناكفات، والالتفاف حول قضية العراق الكبرى، وتكريس العمل الجبهوي المبني على أسس صحيحة وأصول ثابتة وطرائق واضحة، للوصول إلى الإصلاح الاجتماعي المنشود لتحقيق التغيير السياسي المطلوب؛ فكان -رحمه الله- مصدر فخر ليس فقط لأبناء قبيلته ووطنه بل للعرب جميعًا، وكان المعلم والقدوة لشعب العراق وللكثير من شعوب المنطقة، ولعل أهم ما كان يميز جهده هو أنه جزء من فطرته وحقيقته، ولم يكن يحب المفاخرة أو المباهاة أو التحدث كثيراً عند ما كان يقدّمه الناس؛ فكان عمله سجيًا خالصًا لا طمعًا بزعامة زائفة ولا بدنيا فانية، وكان البذل والعطاء ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف وإعانة المحتاج جزءًا من شخصيته الفذة.

وقد وهب الضاري نفسه لتخليص وطنه من براثن المعتدين واستنقاذ العراقيين مما هم فيه من درك الشقاء وعظم البلاء، وعمل جاهدًا على تحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم في الحياة الكريمة، وناصر المقاومة الوطنية للاحتلال وقدَّم في سبيل ذلك الغالي والنفيس منطلقًا من ثوابت الشريعة الغراء وسياستها الحكيمة، ومن رؤيته الثاقبة التي أثبتت الأيام حقيقة استشرافيتها، فلا يمكن الحديث عن المقاومة في العراق بدون استذكار سيرة شيخ المجاهدين ورائد حركة التحرر في العراق ما بعد الغزو، الشيخ حارث الضاري الذي جاهد في الله وهجر مغريات الدنيا وصبر على الأذى وبقي ثابتًا على موقفه ومبادئه ولم يتزحزح عنها حتى أتاه اليقين من ربه.

لقد كان الشيخ حارث الضاري بحق رجل المرحلة ومن الرجال العرب القلائل الذين تفانوا وكرسوا حياتهم وأعطوا بكل سخاء وكل ما يملكون من أجل تحرير وطنهم والحفاظ على وحدة بلدانهم شعبًا وأرضًا؛ إيمانًا منهم بوحدة مصيرهم.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات