الخميس 17 أغسطس 2017 | بغداد 47° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

مئة ضابط أمن متورطون في عمليات تعذيب في الموصل

مئة ضابط أمن متورطون في عمليات تعذيب في الموصل

ذكر نائب رئيس مجلس مدينة الموصل دلدار الزيباري « أن هناك نحو مئة مذكرة توقيف صادرة من مجلس القضاء الأعلى ضد ضباط يعملون في أجهزة الأمن والجيش، بتهم تعذيب معتقلين وانتزاع اعترافات بالقوة في معتقلات مدينة الموصل» . وأن وزارة الدفاع لم تعمل على إحالة المتهمين في قضايا تعذيب ابناء الموصل رغم التأكيدات والوثائق الرسمية التي قدمها مجلس المدينة لهم . وأوضح أن تهمة الإرهاب ما زالت هي التهمة الموجهة لمعظم المواطنين من أبناء الموصل المعتقلين من الذين تم مداهمة دورهم واعتقالهم من دون مذكرات توقيف صادرة في حقهم».

يرجى الانتباه. تاريخ نشر الخبر هو 18 / 9/ 2010. أي قبل اربع سنوات من احتلال «داعش» للموصل، وخمس سنوات، قبل اعلان حيدر العبادي، رئيس الوزراء، الانتصار على «داعش»، وخمس سنوات قبل انتشار فيديوهات التعذيب والاعدام الفوري لمن تقبض عليهم قوات الجيش والميليشيات، بتهمة الانتماء الى داعش، من أهل الموصل، وقبل ان يصبح الصاق تهمة «الداعشية» بكل من يطالب بالتحقيق بجرائم التعذيب وسيلة للتغطية على ذنوب الصمت وانتقائية حقوق الانسان. وأن النقطة الاهم التي جعلتني أعيد نشر الخبر القديم، هي عدم تنفيذ مذكرة القاء القبض، وعدم مساءلة او معاقبة أي من المتهمين المائة، على الرغم من توفر الوثائق. وهذا هو، بالضبط، ما يحصل اليوم .

فما أسس له المحتل من تعذيب بلا مساءلة في أبو غريب، وشرعنة بتسليم المعتقلين الى قوات أمنية عراقية «لاستخلاص» الاعترافات، وجعل تهمة الارهاب مسوغا لكل الممارسات الوحشية، اضافة لعدم تسجيل اعداد الضحايا ومنع نشر اي معلومات اخرى عما يجري، لايزال هو العملة المتداولة، حاليا. آخرها توثيق منظمة «هيومن رايتس ووتش» قيام القوات العراقية باحتجاز واعتقال ما لا يقل عن 1200 رجل وصبي في ظروف لا إنسانية من دون تهمة، وفي بعض الحالات تعذيبهم وإعدامهم بحجة انتمائهم إلى داعش» اثناء معركة الموصل، فقط.

فهل هي مسؤولية بضع تفاحات فاسدة فقط أم أنه الصندوق الذي وضعت فيه وحولها الى تفاحات فاسدة، كما تساءل عالم النفس الاجتماعي فيليب زمباردو؟ كيف الوصول الى الحقيقة حين يقف رئيس الوزراء، في مؤتمره الصحافي الأسبوعي (19 تموز / يوليو) متهما منظمات حقوق الانسان، من بينها منظمة « هيومان رايتس ووتش» و « العفو الدولية» ب «تشجيع الإرهابيين على قتل الأبرياء»، و «التحريض على الطائفية»، أو تسارع نائبة، معروفة، ببكائها وأغمائها، دفاعا عن «حقوق شعبها» الى اتهام المنظمات بانها «مدفوعة الثمن مسبقا»، ويتبرع «عسكري» بتبرير التعذيب والاعدامات الميدانية باعتبارها «تحدث في كل الحروب»، بينما يختفي أكاديمي خلف قناع «جرائم النظام السابق» ولا يتطرق الى انتهاكات النظام الحالي التي وصلت حد العقاب الجماعي وجرائم الحرب؟ كيف الوصول الى الحقيقة، والمسؤول يشارك النائب والمثقف، تصريحات الانكار بدلا من التحقيق، والقيام، ولو مرة واحدة، بالقاء القبض على المتهمين بجرائم التعذيب، ومعاقبتهم ان ثبتت عليهم التهم، ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه الخروج على القانون، والاكتفاء باطلاق التهم، جزافا، باسلوب تحريضي، شعبوي، ضد تقارير تغطي أحداثا موثقة بالتاريخ والمكان والصورة والفيديو، فهذا يدل أما على قصور عقلي، أو القبول الضمني بالجرائم ومنح مرتكبيها الحصانة لارتكاب المزيد، أو الاستهانة بانسانية المواطن وكرامته وحقه بالحياة، أو كل هذه الاسباب مجتمعة.

ليست هذه هي المرة الاولى التي يستهين فيها مسؤول عراقي بحق المواطنين بالحياة والكرامة. فحين جوبه رئيس الجمهورية السابق، جلال طالباني، بصور تعذيب المعتقلين من قبل قوات الاحتلال الامريكي، في أبو غريب، اعتبر التعذيب عاديا ولا يقارن بما كان يحدث في سجون صدام حسين، وكأن تعاونه مع المحتل في غزو العراق، كان للاستزادة وتنويع طرق التعذيب. أما نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق، فله ولطاقمه يعود الفضل باستشراء المعتقلات السرية في ارجاء البلد، من بينها سجن المثنى الخاضع لإشراف مكتبه العسكري مباشرة. للاطلاع على لمحة بسيطة، عما كان يجري فيها، هناك تقرير « العراق: المحتجزون يكشفون تفاصيل التعذيب أثناء الاحتجاز السرّي: مسؤولو الادعاء تواطئوا على كافة المستويات» في 27 أبريل 2010 . حيث تعرض المعتقلون، البالغ عددهم 430 وهم من اهل الموصل، بالاضافة الى الضرب والصعق بالكهرباء والحرمان من النوم الى «أساليب تعذيب أخرى إضافية. إذ وصفوا قيام بعض المحققين ومسؤولي الأمن باغتصاب بعض المحتجزين بمقشات خشبية ومسدسات، كما اغتصب المحققون المحتجزين الأحدث سناً، الذين تم نقلهم بعد ذلك إلى مواقع احتجاز مختلفة. وقال بعض الشبان إنهم أُجبروا على أداء الجنس الفموي للمحققين والحراس. كما أجبر المحققون بعض المحتجزين على الاعتداء جنسياً على أحدهم الآخر. وقام مسؤولو الأمن بجلد المحتجزين بأسلاك كهربية غليظة، ونزعوا منهم أظافر اليدين

والقدمين، وحرقوهم بالأحماض والسجائر، وكسروا أسنانهم. وإذا استمر المحتجز في رفض الاعتراف، يهدده المحققون باغتصاب زوجته وأمه وشقيقاته وبناته. وتدوم جلسات الاستجواب عادة ثلاث إلى أربع ساعات، وتقع كل ثلاثة إلى أربعة أيام». وبعد أن كتبت الصحافة الاجنبية عن الانتهاكات، قالت الحكومة العراقية إنها ستحقق في « مزاعم التعذيب» . وكانت النتيجة: لا شيء.

تأتي محاججة « المثقف» بأن التعذيب والاعدام الميداني سمة من سمات الحروب، صحيحة الى حد ما، لولا ان الشعوب المتحضرة، لادراكها مدى وحشية الحروب، عملت على مدى عقود، لوضع قوانين حرب دولية وانسانية تتوخى الحد من الوحشية، وفرضت على الدول والحكومات الموقعة على قوانين الحرب مسؤولية تطبيقها. الأمر الذي يجعل الحكومة العراقية مسؤولة عن التحقيق في صحة الانتهاكات وتجريم مرتكبيها لا انكارها، وحماية مرتكبيها، وتوجيه الاتهامات الى من يقوم بتوثيقها.

لم تعد اسباب «الارهاب»، كما هي أسباب شن الحروب، سرا . وأكثرها وضوحا، أسباب تفشيه في بلادنا حيث يعيش المواطنون القهر، والظلم، والجريمة وانسداد أفق استرجاع الحقوق، واهانة الكرامة الانسانية، والتمييز بأنواعه. ووضع حد للارهاب يبدأ بإقناع المواطنين بأن هناك خيارا آخر غير اللجوء إلى العنف يمر عبر سيادة القانون والقضاء على التمييز بأنواعه، وتقع المسؤولية الأولى على عاتق الحكومة، يليها العسكري والاكاديمي، وليست المنظمات الارهابية، للاعتراف بذلك والعمل على تحقيقه .

المصدر:القدس العربي

تعليقات