السبت 23 سبتمبر 2017 |بغداد 36° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

الرئيس الإيراني روحاني: قراءة في ولايته الثانية

الرئيس الإيراني روحاني: قراءة في ولايته الثانية

في الخامس من الشهر الجاري، وفي حضور دولي حاشد، أدى الرئيس الإيراني حسن روحاني اليمين الدستورية رئيسا للبلاد لولاية ثانية، داخل مبنى مجلس الشورى في العاصمة طهران، بعد أن وافق المرشد الأعلى علي خامنئي على ذلك، في رسالة قال فيها «أؤكد تصويت الشعب الايراني وأعيّن حسن روحاني رئيسا للجمهورية».

هنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة وهي أنه لاول مرة في تاريخ تنصيب الرؤساء الايرانيين، تقوم وزارة الخارجية الايرانية بتوجيه دعوات لحضور ممثلين عن الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، كبادرة حسن نية تدل على استمرار سعي روحاني لكسب رضا الغرب، وتشجيعهم على تحسين علاقاتهم بإيران. وهي محاكاة عملية لدعوته في البرنامج الانتخابي إلى تحدي السياسات الانعزالية، التي كان يقصد بها بعض التيارات المتشددة في النسيج السياسي الايراني.

خطاب التنصيب حمل رسائل حاول الرجل توجيهها إلى الجميع، خاصة في الإقليم، لكنه ركز على محورين مهمين للسياسة الايرانية القائمة على التناقض بين الأقوال والأفعال على أرض الواقع. المحور الاول هو ما يحصل في الاقليم، حيث يقول «نحن نتطلع إلى منطقة قوية تنعم بالامن والاستقرار»، وأن «تسوية الأزمات الاقليمية كأزمة سوريا واليمن، لن تكون ممكنة إلا عبر إيقاف الحرب والعنف». ومع أن إيران لها مسلمات جيوسياسية كما للاخرين، ولديها منظومة أمن قومي تعمل على تحقيقها شأنها شأن كل دول العالم، وموقع جغرافي يلزمها التطلع والاهتمام بعدة جهات حولها، إلا أنها اختارت القوة العارية والمؤامرات السافرة والتخريب، وسائل لتحقيق مصالحها القومية على حساب الاخرين، وهو ما يتناقض جملة وتفصيلا مع ما جاء في خطاب التنصيب. ومن السهولة بمكان تأشير التدخلات الايرانية السافرة في دول المنطقة، ومحاولة احتكارها التمثيل الطائفي للشيعة، إلى حد التدخل في سلطة القضاء والأمن في كل الدول التي يتواجد فيها من ينتمون إلى هذه الطائفة. وبذلك فهي من يزعزع الأمن والاستقرار وهي من تمد في عمر الحروب والعنف اللذين يشتعلان في المنطقة، جنبا إلى جنب الدول الكبرى التي «لا تفكر إلا بمصالحها الآنية وأدت إلى انعدام الامن ونشر الفوضى والبلبلة في المنطقة» كما يقول هو في خطابه.

أما المحور الثاني فكان موضوع الاتفاق النووي المبرم مع دول الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الامريكية. يقول روحاني في خطابه إن إيران «لن تقف مكتوفة اليدين أمام أي نكث له». وهي إشارة واضحة إلى العقوبات الامريكية الجديدة التي فُرضت مؤخرا. ويشكل الاتفاق النووي ركنا أساسيا في منظومة العمل السياسية الايرانية، حيث كان كل الطاقم السياسي وبضمنهم المرشد الاعلى يعتقدون أن الوصول إلى اتفاق مع الغرب في هذا الملف يعني اعترافا عالميا بنظامهم، وقبولا بإيران النووية، وهم في حاجة ماسة إلى ذلك. وكانوا حريصين جدا على الوصول سلميا لهذا الاتفاق، لانهم يرون أن حل الملف دبلوماسيا سيعطي مؤشرا قويا للاخرين بإمكانية فتح صفحات أخرى في العلاقات الاوروبية ـ الايرانية، والامريكية ـ الايرانية، إضافة إلى أن إيران ليست مستعدة إطلاقا للدخول في نزاع عسكري مع الغرب وواشنطن، إيمانا منها بأن مرحلة قطف الثمار قد حانت وهي لا تريد المجازفة بذلك. من جهة أخرى يأتي تأكيد روحاني على هذا الملف في خطاب التنصيب للدلالة على أنه مهم له شخصيا أيضا. فقاعدته الشعبية تنتظر منه تحقيق وعوده الانتخابية بتحسين الاقتصاد، وتوفير فرص عمل بعد أن وصلت البطالة إلى 12.6 في المئة، وكذلك الخروج من العزلة الدولية. ونعتقد بأن كل ذلك مازال بعيدا عن التحقيق. فعلى الرغم من مرور عامين على توقيع الاتفاق النووي، فإن بناء الثقة والتخلص من حالة العداء مع المجتمع الدولي لم يتحققا لحد الآن. ويمكن ملاحظة الاوضاع ما قبل الاتفاق وما بعده تراوح مكانها، ولغة الحوار الصحيحة والصحية مع العالم الخارجي غير متوفرة، كما عادت الاتهامات المتبادلة بينها وبين الولايات المتحدة إلى نبرتها العالية، خاصة بعد وصول ترامب إلى سدة الحكم.

لقد ربط روحاني سياساته في الولاية الاولى مع تحقيق الاتفاق النووي، لكن الأزمات لم تحل، كذلك الولاية الثانية غير قادرة على إزالة الأزمات أيضا. كما أنها عاجزة عن النهوض بالواقع المعيشي للمواطن الايراني، لأن الإصلاحات الاقتصادية متوقفة على علاقات أفضل مع المجتمع الدولي. وأن المستثمرين متخوفين من العقوبات الامريكية، كذلك فإن مساعديه ممن تطلق عليهم تسمية المحافظين مازالوا يعرقلون أي زيادة في النفوذ الغربي، وهذه كلها عوامل كابحة لضخ أموال لإعادة بناء الاقتصاد الايراني. كما أن السياسات الايرانية خاصة الاقليمية تستنفد الدخل القومي. أبرز مثال على ذلك أن مليارات الدولارات التي أفرجت عنها الولايات المتحدة بضوء الاتفاق النووي، لم تؤشر حالة إيجابية على الصعيد الداخلي لأنها ذهبت إلى أذرع إيران الخارجية والميزانية العسكرية. أما في مجال وعوده الانتخابية المتعلقة بالحريات العامة وحقوق الإنسان، والوعد برفع الإقامة الجبرية عن زعيمي المعارضة مير حسين موسوي ومهدي كروبي، فنرى أن روحاني غير قادر على الحسم في هذه الملفات لانها ليست بيده، وبالتالي سيكون هو مجرد منصة لإعلان إطلاق سراحهما إن تم ذلك. ويمكن فهم ظهوره بمظهر البعيد عن أيديولوجية النظام، حينما دعى في حملته الانتخابية إلى حرية الفكر والصحافة والجمعيات، يمكن فهمها في إطار سعيه لإظهار الثنائية في النظام، أي ما يسمى بالإصلاحيين والمتشددين، لكن الحقيقة هي أن النظام يلعب بعملة واحدة ذات وجهين، وهذا ما أكده المرشد الاعلى حين قال «لا يهم من سيصبح رئيسا لايران..الفائز هو النظام».

إن عودة لهجة العداء بين إيران وأمريكا تغلق كل الآفاق أمام الرئيس في ولايته الثانية، وقد يسعى المتشددون لاستغلال الحالة للسيطرة على صلاحياته، بما يجعله عاجزا عن تحقيق برنامجه الانتخابي، خاصة في المجال الاقتصادي الذي يعتقد الكثير من المراقبين بأنه العامل الاهم في حسم فوزه بولاية ثانية. فعدم تحقيق تقدم في رفع العقوبات سيجعله يواجه ضغوطا اجتماعية تؤثر على شعبيته، وقد يجد نفسه مضطرا للسعي للحد من النشاط النووي والتصنيع العسكري الذي يقلق الغرب. وهنا سيتصدى له وبشراسة من خسروا أمامه في الانتخابات، وسيتحدّونه في مجالات كثيرة منها الاقتصاد والسياسة الخارجية وموضوع الحريات. وسيزداد تصديهم له حينما يحاول التخفيف من لغة التحدي والرد على العقوبات الامريكية، حيث هو مقتنع بأن العقوبات فخ نُصب لايران كي تقع فيه إذا ما ردت بعمل ما. وهو من الداعين إلى المراهنة على الاوروبيين كي يحثوا شركاتهم ومصارفهم على الانخراط في السوق الايرانية، لكن المعضلة هنا تكمن في أن المسارات المالية يجب أن تمر من خلال الولايات المتحدة.

عربيا ستزيد إيران من استثماراتها في القضية الفلسطينية لمصالحها القومية، خاصة في ظل اتجاه عربي نحو التطبيع مع إسرائيل ومحاربة المقاومة. كما ستستمر في استثمارها الناجح لمصالحها في القضية الطائفية.

المصدر:القدس العربي

تعليقات