الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 |بغداد 37° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

العراق .. حالة اللادولة !

العراق .. حالة اللادولة !

يحتار المتابع كيف يستخلص وصفا كليا جامعا للحالة العراقية، فالموت الزاحف دوما والخطف والتعذيب والتشريد وهدم المدن وتدميرها كليا والافلاس الاقتصادي والسرقات الممنهجة والفساد والطائفية وتنامي وتكاثر الميلشيات والعصابات كالفطر، والاحتلال- من قبل ومن بعد – يكفي أيّا منها ليكون عنوانا لوصف كامل مخضب بالدماء والدمار لحال العراق.

غير أن وصف اللادولة يبدو الوصف الذي يحقق الشمول في التعبير عن كل ما يعيشه هذا البلد العريق.

فإذا العراق محتل، فلا دولة في بلد محتل – فشرط قيام الدولة هو الاستقلال – وإذا غاب الاستقلال غابت الدولة، ولقد رأينا كيف قام المحتل الأمريكي بتفكيك الدولة العراقية مفهوما ومؤسسات في لحظة احتلاله بغداد.

لقد كانت عملية تفكيك الدولة أو إنهاء وجودها أول ما استهدفه الاحتلال الأمريكي على أرض العراق، كما كان منع تشكل دولة في العراق، الأصل والأساس في كل إجراءات الاحتلال منذ يومه الأول وحتى الآن، إذ الاحتلال يعلم أن وجوده وبقاء الدولة العراقية نقيضان لا يجتمعان إلا في صراع.

وأعمال الخطف والقتل على الهوية وتقطيع أجساد الأحياء وحرق المواطنين وسط حلقات الرقص الطائفي والتباهي بأعمال القتل والتعذيب، تتنافى هي الأخرى مع وجود دولة، إذ شرط الدولة أن يكون القانون معمولا به ومحترم بصفة عامة من قبل المؤسسات والأفراد، وحين تشيع تلك الممارسات الإجرامية وتمتد على طول المساحة الزمنية المقدرة بالسنين وتصبح فعلا يوميا دائما، فنحن هنا أمام حالة اللادولة.

وتشكيل الميلشيات، هو الدليل القطعي على انعدام وجود الدولة، وإذ جاءت الميلشيات تابعة لدولة أخرى تسليحا وفهما وخططا وأهدافا، فذلك تأكيد وتشديد كامل بأن لا دولة في هذا البلد، والحال في العراق أن الميلشيات الإيرانية التي مارست جرائمها على أرض العراق تشكلت في سنة 2014م، وبقيت تمارس جرائمها وترويعها من خارج كل الأطر ولو حتى الشكلية منها، وحين ضج المجتمع العراقي بجرائمها وتحركت منظمات حقوقية دولية، جرى تقنين وجودها شكليا سنة (2016م) جرى الأمر على طريقة الإلهاء لا التقنين والالتزام، وهكذا بدأت وظلت عنوانا على انعدام وجود الدولة، بل تأكد الجميع أن عنوان عودة الدولة بات شرطه الأول حل تلك الميلشيات ومحاكمتها على جرائمها.

والأحزاب والحكومة والمجلس التشريعي والانتخابات بإجراءاتها وقانونها ومفوضيتها، ليست عنوانا لوجود دولة، كانت تلك الهيئات منذ بدايتها، عنوانا لرغبة المحتل وقراره بتشكيل سلطة وتنظيم نخب يمارس من خلالها عملية معقدة لتحقيق أهدافه، ارتبط وجودها بتحقيق أهداف الاحتلال، ولم يرتبط وجودها ودورها بتشكيل نظام سياسي يجري من خلاله تداول الحكم أو حتى تشكيل أطر سياسية للحكم – مثل الدول –، وقد رأينا كيف أعلن المشاركون في تلك اللعبة أن قرار تعيين الفائز بالانتخابات والمخول تشكيل الحكومة والإشراف على السلطة هو الاحتلال – القرار في واشنطن وطهران – ومن الأصل فكل الأحزاب والأفراد الذين سمح لهم بالمشاركة في كل تلك المهرجانات الإلهائية من المعروف عنهم الانحياز إلى صف الاحتلال قبل أن يجري، ومن المشهود عليهم بالتعاون مع المحتل، وبذلك فتلك عملية تؤكد عدم وجود دولة في العراق، بل هياكل وأفراد يعملون تحت إمرة الاحتلال.

وإذ يتصور البعض أن وجود وزارات وهيئات ومؤسسات وجيش وبوليس، يمثل عنوانا لوجود دولة في العراق المحتل فذلك أمر يحتاج للتصويب – والاعتذار الفكري والسياسي – إذ الدولة هي مفهوم ناظم وموجه وحاكم للأجهزة والمؤسسات لتحقيق أهداف ومرامي وتطلعات المجتمعات وللحفاظ على كيانها ومستقبلها وجغرافيتها وثرواتها، وكلها أمور مفتقدة ومنعدم وجودها في العراق .

وفي الوضع الراهن في العراق، فنحن أمام أجهزة ومؤسسات وكيانات، لا يزيد وجودها على حالة الهياكل الفارغة –وطنيا- إذ تتنازعها مصالح المجموعات والميلشيات الساعية لتحقيق أهدافها الخاصة وأهداف من يقف خلفها أو من أوجدها لتلعب أدوارا لتحقيق مصلحته.

ولما كان مفهوم الدولة مرتبط بالسيادة على إقليم جغرافي وسكاني محدد، فحال الحكم في العراق تتعدد فيه مشاهد وشواهد افتقاد هذا المفهوم نظريا وعمليا – حتى على صعيد الحدود البرية والبحرية – إذ كل المؤسسات القائمة لا تتحرك لا وفق مفهوم السيادة، كما هي لا تملك أدوات ولا مشروعية فرض هذه السيادة، بل يمكن القول بأنها أدوات يجرى تنمية معالم وجودها لمنع العمل والتفكير بمنطق ومفهوم السيادة.

إن المقلب المتأمل في أوضاع العراق، لا يجد نفسه أمام حالة الدولة الفاشلة ولا أمام حالة شبه الدولة بل أمام اللادولة!.

المصدر:وكالة يقين.

تعليقات