الأحد 20 أغسطس 2017 | بغداد 43° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

تركيا في رحلة البحث عن الهوية....د. مثنى عبدالله

تركيا في رحلة البحث عن الهوية….د. مثنى عبدالله

لكل دولة معضلة وهي من يحدد سياساتها اندفاعا أو انكماشا. قد تتحول هذه المعضلة إلى سجن تُجبر الدولة على العيش فيه، وقد تجني منه أرباحا طائلة أو تدفع فيه خسائر كبرى.

معضلة تركيا هي البحث عن الهوية نظرا لموقعها المهم، هي بين روسيا من الشمال وإيران من الشرق وأوروبا، وهي في صراع مع هذه القوى، ومن نتائج هذا الصراع وتفاعلاته تكونت الشخصية التركية.

منذ فترة الحرب العالمية الأولى لم تخرج تركيا إلى الاقليم، كانت تداوي جراحاتها وتبني نفسها استعدادا للعب دور جديد. حاولت الخروج إلى الفضاء الإقليمي في دول آسيا الوسطى ولم تفلح، ثم وجدت بأن خير طريق لها هو ملء الفراغ العربي. تؤمن تركيا بأنها ليست الرابح الأكبر في هذا الفضاء، وتعرف جيدا أن المتحكم فيه ليس هي وحدها، بل إيران وإسرائيل، لكنها تعتقد أنها الأكثر ملاءمة للزعامة، من خلال تجربتها الديمقراطية الأكثر ملاءمة للعرب، وقوتها الاقتصادية وعلاقاتها مع العرب، مضافا إليها عامل التاريخ. هي ترى أن نموذجها الذي تقترحه على العرب مكون من عنصرين مهمين هما، عنصر الجيش حامي البلاد، وعنصر التوجه الإسلامي للمجتمع. وعندما هبت الجماهير العربية في محاولة تغيير واقعها السياسي فيما سُمي بالربيع العربي، وجدت تركيا أنها فرصتها لإبراز زعامتها في الوطن العربي، وبدأت بناء مجال جيوسياسي جديد حولها، هي تحديدا من يؤدي فيه دور الزعامة، فجاهدت بكل ما تملك لوضع مصر تحت أنظارها، والمشاركة في وضع سكة سير القطار المصري، لأنها كانت ترى لها دورا سيسود الأمة من جديد.

كان هاجسها في هذا التحرك منطلقا من منطلقات سياسية صحيحة تقول، إن قوة الدولة هي في خارج حدودها وليس في داخلها، أي أن الدولة تكسب قوتها وهيبتها في خارج حدودها وليس داخل حدودها، مهما كانت قوتها في الداخل. وفي خضم ذاك التحرك كانت عيناها ترنوان إلى الاتحاد الاوروبي. كانت بتلك التحركات تريد القول أنا زعيمة المنطقة، وستطلبون أنتم ودي وليس أنا من يطلب ودكم، وستأتون لي كي تطلبوا المساعدة في حفظ مصالحكم في الدول الثائرة. لكنها اصطدمت مرة أخرى بالرفض الاوروبي لها ولدورها، وحتى علاقاتها مع إسرائيل لم تشفع لها. هي حاولت استخدام العرب لتعزيز قوتها الجيوسياسية والاقتصادية والارتقاء بتأثيرها في المنطقة، فبدأت بالتأثير الاقتصادي، لأنها تعرف أنه من يجلب التأثير الجيوسياسي، ثم مارست تأثيرا ثقافيا وإعلاميا واسعا بمستويات متقدمة ومؤثرة، بما لا يجرح السيادة الذاتية لكل قطر عربي والذات العربية، وكان ذلك تمهيدا لعودة العثمانية الجديدة التي سيطرت على التفكير السياسي التركي خلال العقدين المنصرمين، والتي باتت ضرورة لدى صانع القرار التركي مهما كلف الثمن.

لكن الامريكان خذلوا تركيا مرات عديدة، وأجبروها على تغيير سياستها أكثر من مرة، والاتراك يتجنبون الخلاف السياسي مع الامريكان من أجل تحقيق طموحاتهم في منطقة الشرق الاوسط، ولا يستطيعون الذهاب بعيدا في الحلم التركي على حساب القرار الامريكي، لانهم يعرفون تماما أنهم محكومون بإطار محدد في تنفيذ سياساتهم بسبب حلفهم الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، كما أن عضويتهم في حلف الناتو تأخذ من حرية صانع القرار التركي الكثير من الوسائل وحرية الحركة. وعندما وجد الامريكان أن العثمانية الجديدة استولت على العقل التركي تماما، قالوا للاتراك أنتم جزء منا، فتعالوا نتعاون معا في العمق الإستراتيجي الذي تسعون له في المنطقة، فنضع عمقنا مع عمقكم وتكون النتائج لنا ولكم. هنا حصل التقاطع بين سياسة تصفير المشاكل التي كانت ترومها تركيا، وطريقة الوصاية التي تنتهجها أمريكا في كل سياساتها. فالسياسة التركية كانت مرسومة على أساس وضع المشاكل جانبا مع كل الانظمة الموجودة، والبناء على ما هو إيجابي في العلاقات الثنائية، لكن القرار الامريكي بركوب موجة التغيير، أجبر صانع القرار التركي على تغيير استراتيجيته بالتعامل مع الانظمة العربية على أساس الرغبة الامريكية، وبناء علاقات جيدة مع النظم المستقبلية. ولأن السياسة التركية ليست مستقلة انفجرت المشاكل في وجهها دفعة واحدة، وباتت لديها مشاكل مع ثلاث عشرة دولة متحاددة ومتشاطئة معها. فعلاقاتها مع سوريا ومصر في قمة السوء، ومع العراق يساورها الريبة والشك، ومع السعودية تنافس على زعامة الأمة الاسلامية، ومع إيران تنافس سياسي تصعد وتيرته بين الحين والآخر إلى مستويات خطرة، وعداء مستحكم مع أرمينيا، وخلافات مع اليونان وبلغاريا. فتحولت السياسة التركية من صفر مشاكل إلى صفر علاقة جوار، وحصل ابتعاد كلي عن الطابع البراغماتي في العلاقة مع دول الجوار، الذي اعتمده الرئيس التركي الحالي في عصره السياسي الذهبي عام 2002، عندما قدم للمنطقة والعالم إسلاما سياسيا عصريا، ترافقه إصلاحات اقتصادية كبرى، مع استخدام أمثل لفائض الأموال المتحقق، وتطويع المؤسسة العسكرية التركية، ما جعل ملايين من قلوب العرب والترك تهفو إليه. صحيح أن الوضع الجيوسياسي في الشرق الاوسط عموما قد تغير، ولأن تركيا أساسية في المنطقة فمن حقها البحث عن مصالحها، لكن تغيير خريطة المصالح وفق الوضع المتغير في المنطقة لا يكون دائما ناجحا، الا عندما تكون وسائل التغيير موجودة في اليد وليس في يد الحلفاء. الحلفاء الغربيون كانوا ينظرون إلى التجربة التركية باحترام، لانها تجمع بين المخزون الثقافي الاسلامي والديمقراطية والنمو الاقتصادي، كما أنهم يفضلونها في ملء الفراغ العربي أكثر من إسرائيل وإيران، لكنهم يريدون النتائج لهم وليس لتركيا، ولأن الأخيرة كانت حريصة على الحصول على اللقمة السائغة قبل أن تعطي الحلفاء حصصهم، اندفعت في تأكيد موقعها ودورها أكثر من اللازم في بعض الاحيان، فارتكبت أخطاء ودفعت كلفا سياسية كبيرة. تدخلها الواسع في القضية السورية أنتج أزمة داخل تركيا، وانشطر الحزب الحاكم إلى ثلاثة اجنحة، الليبرالي والاسلامي والقومي. كما أنها فقدت عمقها الإستراتيجي الاقتصادي بعد تحالف حزب العمال الكردستاني مع نظام بشار الأسد، وبقيت مقيدة في الواقع السوري بفعل العامل الإيراني، حيث هنالك اتفاقية دفاع مشترك بين سوريا وإيران، وهنالك مشاريع طاقة بين تركيا وإيران. كما أن سقف طموحاتها انخفض بعد أن وضعت حليفتها الكبرى أمريكا العصي في عجلة تحركها في المنطقة، وعرقلة دورها في العراق ومصر ومناطق أخرى، وتركتها وحيدة أمام الدب الروسي. كما أن أوروبا هي الاخرى تخلت عن الدفاع عنها، وراحت تنبش التاريخ كي تصفعها بأحداثه، كما حصل في تصويت البرلمان الالماني على مسؤولية تركيا في قضية الارمن. فهل ستتجه تركيا للمراهنة على نفسها وتتخلى عن اللهاث خلف الهوية الاوروبية؟.

يقين نت + وكالات

ب ر

تعليقات