الإثنين 20 نوفمبر 2017 | بغداد 21° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

العراق: موسم تغيير العناوين والولاءات والضامنين

العراق: موسم تغيير العناوين والولاءات والضامنين

 

مازالت مهزلة الانتخابات العراقية المقبلة بعيدة بعض الشيء. لكن التحضير لها بدأ مبكرا، وملامحه قيام الاحزاب الاسلامية الحاكمة وشخصياتها المعممة وغير المعممة، بالهجرة من العناوين الإسلامية التي تبرقعت بها، وتغيير ولاءاتها السياسية، وربما حتى الضامنين الإقليميين ولو على استحياء بعض الشيء.

انشطارات بالجملة شملت أحزاب الاسلام السياسي الشيعي والسني، والكل ذاهبون إلى ارتداء صرعة الموسم الجديدة ،وهي استخدام تسمية التيار المدني، علّهم يواجهون بها استحقاقات المرحلة المقبلة.

المضحك أن التسميات تغيرت، لكن الوجوه هي نفسها التي سرقت وتاجرت بالوطن والمواطن على مدى أربعة عشر عاما. قد يتساءل البعض عن كيفية انفصال عمار الحكيم الشيعي عن مجلسه الاعلى الإسلامي الذي توارثه أبا عن جد مثلا؟ أو عن كيفية انفصال سليم الجبوري السني عن حزبه الإسلامي العراقي الذي كان سببا في وصوله إلى المنصب الحالي؟ هذه الظاهرة معروفة جدا في الاحزاب الكلاسيكية لاسباب أيديولوجية، أو خلافات حول التطبيق العملي، لكن انشطارات أحزاب السلطة العراقية هي لغرض تبديل الجلود استعدادا لسلوك الطريق نفسه بعد الفضيحة، أسوة بالشركات المفلسة التي تذهب أحيانا إلى تغيير اسمها للدخول إلى السوق ثانية. لقد بدأوا لوم بعضهم بعضا وتبادلوا الاتهامات عن أسباب الهزيمة السياسية والأخلاقية النكراء التي حلت بهم. ولكي تستمر هذه الكيانات على الساحة بدأت لعبة التغرير بالمنتمين إليها، فكل يريد أن يسحب أكثر عدد من الاعضاء معه إلى الكيان الجديد، وكل يريد أن يستولي على مسروقات الكيان القديم من عقارات وسيارات وأمول منقولة وغير منقولة، ومحافظات نفوذ، وزعامات عشائرية وقبلية كانت تدين لهم بالولاء.

وبدأ (المجاهدون) والموالون والانصار والاتباع يُقلّبون أي العروض أفضل لهم، كي يحددوا الجهة التي يلتحقون بها. فالعمل السياسي بالنسبة للبعض سوق نخاسة ومزادا على المصالح. وهذا هو ديدن الكثير من الزعامات السياسية والوجاهية والقبلية العراقية منذ أزمان بعيدة وليس اليوم. فالولاء حالة نسبية لديهم تخضع لحالة العرض والطلب. فقد كانت سيوف أمثال هؤلاء مع والي الكوفة وقلوبهم مع الأمام الحسين بن علي في واقعة كربلاء. وهو الفعل نفسه الذي حصل مع ملوك العراق وعبدالكريم قاسم والعارفين عبدالسلام وعبدالرحمن. أما مع صدام حسين فكانت الصورة من الوضوح بحيث تعمي الابصار. آلاف الزعامات العشائرية رقصت له وترقص الان للمالكي والعبادي، والمئات من رجال الدين ألقوا خطبا عصماء في حضرته، واليوم في حضرة السلطة أيضا، كان أبرزهم رئيس الوقف السني الحالي عبداللطيف هميم، وخالد الملا أحد أبرز التابعين لرئيس الوزراء السابق. والعشرات وربما المئات من قادة الجيش والأمن والمخابرات السابقين اصطفوا طوابير أمام بوابات فندق الشيراتون في بغداد، بعد أيام قليلة من احتلال بغداد، كي يحظوا بلقاء جنرال أمريكي كان مقره فيها، عارضين عليه خدماتهم في إنشاء أجهزة أمنية جديدة تخدم الامريكان، وحاملين معهم مئات الملفات والمعلومات التي كانوا يتداولونها في عملهم قبل الاحتلال، كبادرة حسن نية من قبلهم للعهد الجديد، كي يثق بهم.

حتى البعثيون انتظم بعضهم في حزب الدعوة وأحزاب إسلامية أخرى بحجة أن انتماءهم إلى حزب البعث كان تقيّة. وفجأة تحوّل الشيوعيون إلى شيعة في نظام المحاصصة الطائفية، وحصلوا على مناصب وفق هذا التوصيف وليس وفق توصيف أنهم شيوعيون كانوا في المعارضة. وعلى الرغم من أن الشارع العراقي يعاني من حالة انقسام واضحة في الرؤى والأفكار، جعلته يغط في سبات عميق وكأنه ليس المعني بالحالة، وليس من يعانيها يوميا، لأسباب عديدة منها عدم وجود الرمزية السياسية والاجتماعية الحقيقية. لكن الانقسامات الحالية في أحزاب المنظومة الطائفية والاثنية الحاكمة، والهروب نحو تشكيلات وتسميات أخرى، تؤكد على أن الشارع بات يريد الابتعاد عن الخطاب الحالي الذي هو الركيزة الاساسية للوضع السياسي بعد عام 2003. هذا الخطاب الذي يتحدث على أساس تصنيفات طائفية، وينفذ أجنداته من خلال تشكيلات طائفية وإثنية، بيت سياسي شيعي، وبيت سياسي سني، وثالث كردي وتركماني وغيرها.

المزاج المجتمعي بات غير راغب في هذا الوضع، ولم يعد لديه أدنى شك بأن هذه البيوتات السياسية لا تمثله. لكن من يعتقد بأننا أمام مرحلة انقلاب تام فهو على خطأ كبير. صحيح أن الوضع الحالي يشهد حالة تفتيت وتصدع في أركان هذه التشكيلات الطائفية، لكننا لسنا أمام مرحلة إعادة التشكيل على أسس وطنية عابرة للحدود الدينية والمذهبية والإثنية. هنالك كذبة كبرى يسوقها الساسة السنة والشيعة، أسمها تشكيل كتل عابرة للطائفية، وهنالك نغمة وطنية يعزفها البعض ويرتلها آخرون، لكن الوطنية في العمل السياسي لا تعني حصيلة جمع طائفي مع طائفي آخر إطلاقا. كما أنها ليست اتفاقية يوقعها هذا الطرف أو ذاك للانتقال إلى العمل الوطني

والتخلي عن الطائفية السياسية. حتى الدعوة إلى الغالبية السياسية بدت وكأنها دعوة خارج إطار التشكيل الطائفي، لكنها في الحقيقة في صلب هذا المنهج.

المرحلة الحالية هي مرحلة انحسار تنظيم «الدولة»، خاصة بعد إعادة الموصل ثاني أكبر المحافظات إلى الخريطة العراقية. وما بعد العودة، مرحلة مليئة بالتناقضات الجديدة والصراعات التي ستختلف جذريا عن الصراعات التي راقبنا فصولها في ما سبق. كما أن لها استثمارتها واستحقاقاتها وفيها أوراق ضغط كبيرة ومغرية، وعلاقات وتحالفات مع أطراف إقليمية ودولية، ظهرت بعض ملامحها في زيارة رجل الدين مقتدى الصدر إلى السعودية والإمارات. لكن يجب الانتباه إلى أن من يتحرك أكثر ليس بالضرورة أن يكون هو الرابح، بل ربما يكون في حالة سعي محموم للمنافسة وتحسين الشروط.

أيضا هنالك معادلة جديدة على أرض الواقع يُنظّر لها فصيل الاسلام السياسي الشيعي، وهي أن من يسمون أنفسهم زعامات سنية لم يعد لهم دور في المستقبل، حتى إن كانوا مشتركين بالعملية السياسية، لأنهم لم يحافظوا على المحافظات التي كانوا يحكمون فيها سلموها إلى تنظيم «الدولة»، وأنها حُررت بدماء الشيعة. وأن السعودية كمرجعية لهم أتت للشيعة في عقر حكمهم معترفة بخطأ سياستها.

منذ الغزو الامريكي برزت معادلة المهزوم والمنتصر في العراق. المهزومون هم من كانوا في السلطة قبل عام 2003، ويسمونهم السُنة. والمنتصرون هم من وصلوا إلى السلطة بعد ذلك التاريخ ويسمونهم الشيعة. بعد الموصل تعززت هذه المعادلة وتجذّرت أكثر، وأعطت للزعماء من (الطائفة المنصورة) حصانة أكبر من ذي قبل. لذا رأينا كيف أن محافظ البصرة يختلس ملايين الدولارات ويهرب عن طريق إيران بسيارات الدولة سالما. لكن الزعماء من (الطائفة المهزومة) يجدون أبواب السجون مشرعة لهم، ويُطبق القانون عليهم بطريقة نموذجية وبالحد الاعلى من العقوبة. حصل ذلك مع محافظ صلاح الدين وربما محافظ الانبار الذي ينتظر. لكن أليس من العار أن يبقى الفصيل الاسلامي الشيعي الذي رشح محافظ البصرة الهارب، مُصرّا على أن هذا المنصب من حصته حصرا، وهو من سيرشح لها آخر؟ وأليس من العار أن يبقى الحزب الاسلامي العراقي السُني مُصرّا على أن منصب محافظ الانبار من حصته ومن حقه ترشيح غيره؟

حين تنعدم الاخلاق تماما في الممارسة السياسية، وعندما يكون الدين والطائفة مجرد وسائل في هذه الممارسة، لم يعد هنالك حزب يشعر بالعار حين يرشح لصوصا للمناصب.

المصدر:القدس العربي

تعليقات