الأحد 17 ديسمبر 2017 | بغداد 16° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

رؤية على هامش محاولة الانقلاب في تركيا...جهاد بشير

رؤية على هامش محاولة الانقلاب في تركيا…جهاد بشير

في أواخر شهر آذار/مارس الماضي ـ أي قبل أقل من أربعة أشهر ـ كشف السيناتور الأميركي ميشيل روبين أن جهات سياسية أميركية مستعدة للاعتراف بأي انقلاب يستطيع الإطاحة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومة حزب العدالة والتنمية.

وعلى الرغم من أن خبرًا من هذه الفصيلة جدير بالتوقف عنده؛ إلا أنه مرّ مرور الكرام في حينه، ولم تمض إلا بضعة أيام حتى نُسي تمامًا في غمرة الأحداث أو جرى العمل على نسيانه، حتى غدا كأنه لم يحصل أو يقع شيء من قبيله، لكن تصريحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري التي جاءت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا منتصف الشهر الجاري أعادت إلى الأذهان خبايا ما ذكره السيناتور حينما قال: “إن الانقلاب لم يكن مهنيًا… ولم يكن جيد الإعداد والتنفيذ”، وكأنه يتحسر على عدم نجاحه، لاسيما وأنه ختم تصريحاته للصحفيين قائلاً: “دعونا لا نصدر الأحكام إلى أن تتضح الأمور”؛ في تعبير لا يعطي مدلولاً سوى الاستخفاف الواضح بحليف مثل أنقرة التي ترى أنها مهمة ولا غنى للغرب عنها في المنطقة في وقت تمتنع الولايات المتحدة وكذلك حلف الأطلسي عن مبادلتها التوصيف نفسه بشأن تلك الأهمية بقدر ما يريان التعامل معها قائمًا على مصالح ومنطلقات استغلال لا أكثر.
تحسب واشنطن أن تصريحات وزير خارجيتها تصب في رفض الانقلاب، وهي بذلك تستغفل الرأي العام بوقاحة، إذ من غير المعقول أن يتصور أحد أن ما صرح به كيري بشأن انقلاب تركيا سوف يُفهم على أنه دعم وتأييد لحكومة العدالة والتنمية، على الرغم من أنه قال على استحياء في مستهل حديثه إن “واشنطن تؤيد الرئيس المنتخب”، لكن بقية كلامه أذهبت بهذه الجملة وساهمت في تلاشيها إلى حد لم تعد قواعد المجاملات السياسة والدبلوماسية تشفع له في إثبات عكس ما فهم من تصريحه.
إن من تابع الأحداث التي رافقت مجريات محاولة الانقلاب يجد بلا عسر أن الولايات المتحدة وكافة “الدول العظمى”، فضلاً عن جميع الأنظمة الحليفة لأميركا في المنطقة اتخذت وضعية المترقب والمتابع بصمت لتنتظر المآل وعلى أقل تقدير في إطار الموقف الرسمي للحكومات؛ فلما انجلى أغلب الغبار، وبان للعالم أن الشعب التركي أزهق الانقلاب وأفشل محاولاته؛ تناوب الجميع في إصدار بيانات “تأييد للحكومة المنتخبة” في تركيا، إلى جانب بعض الجمل والمواقف المنمّقة التي يُفهم منها رفض الانقلاب ولو ظاهرًا.
هذا التريث في اتخاذ القرار الرافض له دلالات عدة من بينها أن تلك الدول والأنظمة لم تكن لتمانع فيما لو نجح الانقلابيون في الإطاحة بحكومة العدالة والتنمية على الرغم من أن المؤشرات تقول إن الشر الناجم عن نجاح الانقلاب سيمتد إلى المنطقة كلها ويلقي بظلال سلبية لا تقتصر على تركيا وحدها، ما يعني وجود حواجز حقيقية فعلاً بين تلك الأنظمة والدول وبين أنقرة؛ لا لشيء سوى أن الحزب الحاكم إسلامي النزعة.
إن محاولة الانقلاب في تركيا تحمل بصمات أمريكية واضحة، وخيوطًا أوروبية تبدو معالمها جلية للمتأمل، وتؤكدها إرهاصات سابقة وتحليلات لاحقة، فمن بين ما سبق؛ شهدت أنقرة وإسطنبول تفجيرات عدة في الأشهر القليلة الماضية، ولم يقع تفجير منها إلا وكانت سفارة واشنطن قد أصدرت قبله بيومين أو أكثر تحذيرًا لرعاياها من “مخاطر أعمال إرهابية محتملة”، وعلى المنوال ذاته دأبت سفارات غربية أخرى مثل باريس وألمانيا على هذا الصنيع، وما انفكت السياسة الغربية تضغط على أنقرة مستخدمة أدوات مختلفة ومن مقدمتها “الإرهاب”؛ حتى اضطرتها إلى إعادة التطبيع مع “إسرائيل” وباشرت بتحسين العلاقات مع روسيا، وهو ما بيّنّاه سابقًا في مقال تناول هذه الجزيئة، وما ذلك إلا لخلط الأوراق تمهيدًا للانقلاب المزعوم.
أما في اللاحق فقد أظهر المواقف التي بيّناها آنفًا وسيل الإعلام الموجه وتصريحات الوزير الأميركي؛ دلائل بيّنة على دور الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة في الانقلاب الذي تأكد لدى الحاكمين في تركيا أن جماعة فتح الله غولن ـ الذي يحظى برعاية أمريكية ـ هم أدواته، وفضلاً عن ذلك، كشفت صحيفة واشطن بوست تصريحات لمسؤولين في البنتاغون أكّدوا أنهم كانوا على علم بالمحاولة الانقلابية وأنهم يعلمون بما يحدث في تركيا، لكنهم لا يزالون يدرسون آثار الانقلاب على العمليات العسكرية التي تضطلع بها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وفق ما أوردته الصحيفة.

ويمكن للمتابع أن يرصد ما فعله إعلام عدد من أنظمة المنطقة الموالية للغرب دون مواربة، وكيف أنه روّج أمواجًا من الأخبار المتزامنة مع الأحداث طغى الكذب على نسبتها العظمى بطريقة تصب في صالح الانقلابيين، وتوجه بالضد من أردوغان وحكومته، ولم يتنبه القائمون على وسائل هذا الإعلام إلى التناقضات المضحكة التي وقعوا بها، كما أنهم لم يتداركوها حتى بعد مرور ساعات من تيقن العالم كله أن الانقلابيين هزموا، ووصل الحال بشخصيات سياسية وصحف رسمية في أنظمة لا تقوى على الاستمرار بالحكم إلا تحت المظلة الأمريكية ـ كإيران والعراق ومصر ـ أن تورطت بفضائح لو كانت تملك شيئًا من حياء أو كرامة لاعتزلت بعدها مجالي السياسة والإعلام.
وحيث تتكشف كل هذه الحقائق؛ فإن على حكومة أنقرة أن تباشر فور انتهائها من تنظيف مؤسساتها من عملاء الغرب وأدوات الانقلاب؛ إلى إعادة النظر في مواقفها الخارجية، واتخاذ قرارات حاسمة تجاه أنظمة ودول بعينها بشيء الغضب والقسوة حتى لو وصل ذلك إلى قطع العلاقات أو التهديد بشن حرب، ولربما سيلزمها هذا الإجراء أن تتنازل عن بعض طموحات تركيا وفي مقدمتها حلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكنه سيكون تنازلاً وقتيًا مقابل الحفاظ على هيبة الدولة التركية وفرض احترامها، إذ سرعان ما ستجد حكومة العدالة والتنمية أدوات ما تطمح إليه مشرعة أمامها، وأصحابها هم من يسعى إلى أن تلتحق تركيا بهم.
يقين نت
ب ر

تعليقات