السبت 16 ديسمبر 2017 | بغداد 8° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

خبر ورؤية ... الأنبار على خارطة العدوان مجددًا ...

خبر ورؤية … الأنبار على خارطة العدوان مجددًا …

ما يجري في المشهد العراقي؛ لا يظهر كلّه في وسائل الإعلام ولاسيما تلك الموجّهة منها والتي يُراد لها أن تصنع تصوّرات جديدة ومفاهيم مخصوصة في سبيل الوصول إلى انطباعات ذات علاقة بالمشاريع التي تغزو البلاد وتعمل على توظيف حالتها غير المستقرة سياسيًا والمتدهورة أمنيًأ لتحقيق مآرب تنال من بقية مستويات الحياة وشؤونها وفي طليعتها الدين والثقافة.

وإذ تبرز محافظة الأنبار مرة أخرى على مسرح الأحداث؛ فإن الواقع والميدان يشيران إلى أنها لم تكن في سابق الأيام بمعزل عن عمليات القصف الممنهج في دوافعه والعشوائي في تنفيذه، بل كانت الآلة الإعلامية موجهة صوب الموصل وتوابعها، في مهمة يكون أحد أهدافها صرف الأنظار عن حدث دون آخر، وهذه إحدى وسائل الإشغال التي يتم بموجبها العبث بتصورات الناس ومفاهيمهم.

وعلى كل حال؛ سواء سلّمنا بأن الماكنة الإعلامية تُسَيّر الانطباعات وتؤثر بشكل كبير ومباشر في اتخاذ القرارات وبناء الأحكام وإطلاق التوصيفات، أو لم نفعل ذلك؛ فإن محافظة الأنبار دخلت مجددًا على الخط، واحتلت مكانًا ـ هو في الحقيقية ليس كافيًا ـ في نشرات الأخبار لاسيما وأن مناطق الفرات الأعلى ـ عنه، راوة، القائم، وغيرها ـ  باتت على شفا تنامي معارك جديدة مؤشراتها تؤهلها للإجهاز على ما تبقى هناك من الناس بالقتل أو التشريد صوب مناطق النزوح، ولهدم البنيان وإحراق الدور والمنازل، في استمرار واضح ومكشوف للسيناريوهات التي اتبعت منذ اجتياح تكريت وبيجي ثم الفلوجة  والرمادي وانتهاءًا بالموصل، وبصرف النظر عن الذريعة والمبررات المعلنة؛ فإن وصف ذلك بـ(التحرير) بحد ذاته جريمة بحق متبنيها تطاله في دينه وأخلاقه وانتمائه، فضلاً عن إنسانيته.

وفي الوقت الذي تناولت تقارير غربية عزم الولايات المتحدة زيادة عديد قوّاتها في الأنبار وبالتحديد في قاعدتي الحبانية وعين الأسد؛ إلى جانب بناء قواعد أخرى جديدة؛ فإن القوّات الحكومية والميليشيات سواء الصريحة منها أو المتوارية خلف أزياء قوّات الشرطة والجيش؛ تجمعت على مشارف المدن المستهدفة في استعداد لتنفذ مهمتها الاعتيادية والمتوقعة؛ فبعد أن تجهز طائرات أمريكا وفرنسا وبريطانيا وغيرها على تلك المدن ضمن سياسة الأرض المحروقة بالقصف المكثف والمستمر على مدار الساعة، حتى تنقطع أنفاس الحياة فيها؛ تدخل تلك القّوات لتمارس عبثها ثم ترفع راية لنصر مزيف.

في الأشهر الماضية، وبينما الكل منشغل بأحداث الموصل وما تبعها من تداعيات ومآلات؛ لم تدخر طائرات التحالف بقيادة الولايات المتحدة ولا تلك التي تـُنسب لسلاح الجو في الجيش الحكومي المؤدلج إيرانيًا والممنهج طائفيًا؛ لم تدخر جهدًا في قصف كل بقعة من مناطق محافظة الأنبار الشمالية والغربية، علاوة على ما تعانيه من حصار، وموجات نزوح مستمرة ينتهي الحال بأصحابها إلى مصير مجهول، وفي خضم هذا؛ تعاني بقية مناطق المحافظة ولاسيما الفلوجة والخالدية والرمادي والحبانية ـ التي زعمت حكومة بغداد أنها استعادتها سابقًا ـ أحوالاً إنسانية وأمنية متردية بلغت مستويات مفزعة، فالناس حتى اللحظة يعيشون بين أنقاض منازلهم التي سحقها القصف، ويلوذون ببقايا جدران تخفي وراءها أسباب الموت المباشر والبطيء؛ بين قنابل ألقتها الطائرات ولم تنفجر، وعبوات زُرِعت بين الأزقة وعلى قارعة الطرقات مهيأة لتفعل فعلها في أية لحظة؛ وشحة في الطعام ومصادر الرزق، وتضييق حكومي على حركات التنقل والعبور صوب بغداد وغيرها؛ وبين ذلك كله يجد المواطنون أنفسهم يخطون خطوات بقية حياتهم نحو مستقبل مجهول ومصير لا تبدو له أمارات معلومة ولا مؤشرات تدل على الخير مطلقًا.

وإذا كان الحال قد بلغ هذا المستوى المتدهور في مناطق المحافظة التي لا تشهد أعمالاً قتالية؛ فأين يتجه الفارون من العدوان الوشيك الذي تروم جبهة التحالف ومن في صفها من قوات الحكومة وميليشيات إيران تنفيذه على بقية المناطق؟! لا شك أن استدعاء مصطلحات وعبارات لإطلاق الوصف على هذه المأساة يعد مهمة بالغة الصعوبة وعسيرة على ذوي الإنسانية والضمير، كونها لن توفي حق المشهد ولن تعطي التصور الحقيقي لتداعياته.

الحقيقة أن محافظة الأنبار معلقة على مقصلة الثأر، فما بين محاولات انتقام غربية ولاسيما من جانب الولايات المتحدة ثأرًا لما لاقاه جيشها في هذه المناطق من ضربات موجعة على أيدي فصائل المقاومة العراقية في السنوات العشر الفائتة، وبين تحشيد طائفي مبني على أحقاد تاريخية تتبناها طهران؛ يرزح الأنباريون بين لجج الموت والتشريد المفتعل والانتهاكات المتصاعدة، وكعادته يغض المجتمع الدولي طرفه، وتعكف منظمات حقوق الإنسان على الاكتفاء بإثراء مكاتبها بالتقارير الوصفية وتشخيص الحالات التي تتسرب من هنا وهناك، ثم تفتخر بإنجازها في النهاية بأن تطلب من حكومة الجناة إجراء تحقيق!

المصدر:جريدة البصائر

تعليقات