الإثنين 11 ديسمبر 2017 | بغداد 4° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

مصير الأكراد ليس على حساب سنة العراق

مصير الأكراد ليس على حساب سنة العراق

منذ أواخر صيف عام 2014 وعلى خلفية انسحاب الجيش العراقي من الموصل والبيشمركة الكردية تسيطر عمليا على محافظة كركوك الغنية بالنفط. الجيش العراقي لم يستطع حماية الموصل  بينما الأكراد استطاعوا حماية كركوك .القيادة الكردية وعلى رأسها رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني تدعوا إلى استفتاء يوم 25 سبتمبر الجاري حول استقلال كردستان. البارزاني صرّح بأن الاستفتاء لا يعني الانفصال مباشرة، ولكنّه سيكشف وجهة نظر الشعب الكردي وسيكون ورقة قانونية مفيدة في المستقبل تدعم حق تقرير المصير.

العرب كانوا يدعمون الأكراد في الماضي كورقة مقلقة للأتراك وإيران يمكن استخدامها، غير أنهم اليوم يرون أن هذا الدعم لا يمكن أن يصل إلى درجة تقسيم دولة عربية ذات سيادة مثل العراق. العرب يرون أن المشكلة في العراق ما زالت طائفية وخروج الأكراد سيحوّل السنّة إلى أقلية في البرلمان العراقي ويحدث خللا في التوازن الطائفي الحالي. فالأكراد والعرب السنّة يشكلون نصف الوزن السنّي مقابل الشيعة حاليا.

مسعود البارزاني في زيارته الأخيرة إلى كركوك أوضح بأنه يعي تماما بأن كركوك خليط من الأكراد والعرب والتركمان والمسيحيين وأنه سيدافع عن حقوق الأقليات في الإقليم بنفس القوة التي يدافع فيها عن حقوق الأكراد عموما.العرب كانوا يدعمون الأكراد في الماضي كورقة مقلقة للأتراك وإيران يمكن استخدامها، غير أنهم اليوم يرون أن هذا الدعم لا يمكن أن يصل إلى درجة تقسيم دولة عربية ذات سيادة مثل العراق.. وإذا زج السنة بأنفسهم في موضوع الاستفتاء الكردي وهاجموا القضية الكردية بقسوة فإنهم يجازفون

حيدر العبادي يرى أن الاستفتاء الكردي غير دستوري ولا يمكن التهاون مع قضية تمسّ وحدة العراق كما أن استفتاء من هذا النوع لا يمكن أن يتم دون التشاور وموافقة العاصمة بغداد. البرلمان العراقي أصدر قرارا برفض الاستفتاء وقّع عليه 173 برلمانيا من أصل 204 الأمر الذي أغضب النواب الأكراد وانسحبوا من القاعة وردّ البرلمان الكردي بتبني مشروع الاستفتاء. وهناك كلام عن قرارات قوية بطرد محافظ كركوك والميليشيات الشيعية على حدود المحافظة الغنية بالنفط في انتظار إشارة الزحف باتجاه مركز المدينة. الجنرال الإيراني قاسم سليماني نفسه توعّد الأكراد في حال عدم التراجع عن هذا الاستفتاء.

العرب يقولون إن سكان الحويجة هم حوالي نصف مليون مواطن عربي بمثابة ثلث سكان محافظة كركوك ما زالوا تحت نفوذ داعش والأكراد يعرقلون تحريرها قبل إجراء الاستفتاء الكردي. والسلطة الكردية منعت العرب من حق تسجيل العقار بأسماء عربية، وتقوم بهدم القرى والبيوت العربية بحجة التجاوز بينما تحمي مجمعات سكنية كردية في حالة تجاوز قانوني بكركوك. ويرى العرب بأن الاستفتاء في كركوك يجب أن يكون بالحوار والتراضي وتقوم به جهة محايدة وليس السلطة الكردية.

الأمم المتحدة في العراق أعلنت أنها لن تتدخل في هذا الموضوع ولن تتعاون فيه. كذلك السفير الأميركي في بغداد دوغلاس سيليمان، أبلغ الساسة الأكراد بأن “تأجيل الاستفتاء، من دون تحديد موعد آخر، يضمن استمرار دعم الولايات المتحدة لإقليم كردستان، وبخلاف ذلك، فإن واشنطن لن تعترف بنتائج أيّ خطوة كردية، تتخذ من جانب واحد”، بل إن الولايات المتحدة هددت بوقف التعاون العسكري مع إقليم كردستان في حال العناد والمضيّ في الاستفتاء.

اجتياح كركوك
أكراد العراق منذ 1991 يعيشون تجربة فريدة من نوعها. صحيح ليس عندهم دولة ولكن عندهم حكم ذاتي، صحيح ليسوا باريس الشرق لكن حالهم أفضل من حلب والموصل، صحيح ليس عندهم أمل بتقرير المصير لكنهم لا يهربون باتجاه العرب بل العرب يهربون باتجاههم، وصحيح ليس عندهم استقرار كامل لكن ليس إلى درجة تهديد المنشآت النفطية بسبب النزاعات العشائرية كما يحدث في محافظة البصرة مثلا التي تمثل مواردها النفطية 95 بالمئة من ثروة العراق الحالي. وصحيح أن الرواتب تتأخر وهناك فساد لكن لا يوجد مليون طفل كردي عراقي مشرد كما هو الحال عند العرب، وصحيح لا يوجد انسجام كامل بين الفصيلين الكرديين ولكن لا توجد عشرات الميليشيات التي تخطط أميركا لإبادتها وصحيح الجامعات الكردية ليست بمستوى هارفرد ولكنها أفضل من جامعات اللطم والخرافات.

الأكراد علاقتهم جيدة مع سنّة العراق، ونخشى إذا بالغ السنّة في مهاجمة الأكراد فقد يفتحون ملفات الأنفال بين عام 1986 و1989  طالما السنّة مازالوا يمجّدون صدام حسين فمن الممكن أن يحمّلهم الأكراد المسؤولية ويطالبونهم بالثأر كما فعل الشيعة من قبل. إذا زجّ السنّة بأنفسهم في موضوع الاستفتاء الكردي وهاجموا القضية الكردية بقسوة فسيجازفون بحياة الآلاف من النازحين واللاجئين إلى كردستان.

المشكلة حاليا بين الشيعة والأكراد، وعلى السنّة الحذر من التدخل والتزام الهدوء. كل من الشيعة والأكراد يدّعي بأنه ضحية النظام السابق، ويدّعي بأن عنده تضحيات  ، وكلاهما حليف للولايات المتحدة، وكلاهما يمتلك سلطة وجيشا نظاميا،   السنّي العراقي من جهة ثانية متّهم بالولاء للنظام السابق وبالبعث   وغيرها ولا يمتلك سلطة نظامية وبحاجة إلى عطف الطرفين؛ الشيعة والأكراد.

شيعة العراق عموما بحاجة إلى حرب كبيرة خصوصا بعد أن توعّدت القوات الأميركية الميليشيات الشيعية واعتبرتها العدوّ القادم . الحرب مع الأكراد ستمنح الحكومة الشيعية فرصة توحيد العراق قوميا والتخفيف من الانقسام الطائفي، كما أنها ستوفر لحكومة بغداد فرصة لتذويب الميليشيات في قوات نظامية قومية.

لا تحتاج الحكومة العراقية إلى اجتياح أربيل بل ستكتفي باجتياح كركوك وطرد السلطة الكردية منها. ربما تستمر الحرب لعام أو عامين لكن أدبياتها ستخدم الوحدة القومية في الجانب العربي من العراق وتضمن التحول الوطني للسلطة العراقية.

حصار إيراني تركي لكردستان
لا نستطيع عزل الحدث العراقي عن الإقليمي فقد استقبلت تركيا لأول مرة منتصف الشهر الماضي الجنرال محمد باقري، رئيس هيئة الأركان الإيرانية، مصطحبا معه وفدا عسكريا رفيعا وقد التقى بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكذلك وزير الدفاع التركي. محور تلك المناقشات كان الأمن القومي للبلدين والتهديد الكردي في المنطقة. أعتقد بأنهما قد اتفقا على حصار كردستان العراق والقضاء على أسطورتها التي استمرت منذ عام 1991 لما تمثّله هذه التجربة من خطر وأهميتها لأكراد المنطقة في تغذية طموحهم وحلمهم القومي.

بعد مقاطعة قطر وتطويق الإسلام السياسي والقضاء على أطماع تركيا وإيران في المنطقة العربية فإننا لا بد أن نتوقع ردا من دولتين كبيرتين بحجم تركيا وإيران. أعتقد بأن الرد هو القضاء على أحلام الأكراد. كل من تركيا وإيران يعتبر إقليم كردستان العراق تهديدا لأمنه القومي ووحدته الوطنية.

على سنّة العراق الحذر في صراع من هذا النوع فلا تستطيع أن تطالب بإقليم سنّي لعشر سنوات وحجّتك في ذلك النموذج الكردي ثم فجأة تنتبه لمخاطر ذلك وتبدأ بتوجيه النصح للآخرين. فالشيعة لا يمكن أن يقاسموك بغداد أو يمنحوك سامراء، ولا الأكراد سيتخلّون عن كركوك في حالة التقسيم الفيدرالي، إضافة إلى أن سنّة العراق جماعات متناحرة ومتحاسدة لا توجد قيادة توحّدها كما في حالة الأكراد.

كردستان تستطيع تسليم اللاجئين السنّة، وطرد المهاجرين بمئات الآلاف، وتحويل سنة العراق إلى ضحية لهذا التحول الجديد في العراق. طالما أن السنّة مهمّشون ولا يمتلكون أيّ سلطة

لا يمكن أن تكون المدن السنية قد دُمّرتْ بنسبة 80 بالمئة في حرب أهلية والنازحون يملأون إقليم كردستان ثم نكتب تحليلات سياسية تقول إن الأكراد لا مستقبل لهم. لقد أضاع سنّة العراق وقتا طويلا بالجهاد والجنة ومقاومة الأميركان، بينما الأكراد كانوا يبنون علاقات طيبة مع الأميركان ويكسبون ثقتهم.

سنة العراق بحاجة إلى عطف كل من الشيعة والأكراد وعليهم عدم التذاكي أو تقديم التحليلات الكيسنجرية للأكراد. فلا برهم صالح بحاجة إلى عبقريتهم ولا هوشيار زيباري تستوقفه رؤيتهم الدولية، ولا محمود عثمان سيدوّن أفكارهم الاستراتيجية في مفكرته. على سنّة العراق الانتباه إلى أن الشيعة قد ثأروا منهم بسبب النظام السابق بينما الأكراد لم يفعلوا ذلك رغم أن بإمكانهم فتح ملفات مرعبة واتهام سنّة العراق بالضلوع فيها.

مشكلتنا صارت واضحة حتى عند الغرباء. رئيس صحيفة تحرير الشرق الأوسط اللبناني غسان شربل يقول على سنّة العراق التخلص من الذكريات بمعنى أن عليهم نسيان ذلك الزمان الذي كانت هوية السلطة فيه سنّية والتعايش مع واقع جديد. إن مشكلة سنّة العراق الوقوع في فخ تركيا وقطر والإسلام السياسي وصاروا يقاومون الأميركان بالسلاح “لتحرير ديار المسلمين من الصليبيين” بل صاروا يقاتلون الشيعة “الروافض” حتى كانت النتيجة هدم بيوتهم وتحويل مدنهم إلى رماد.

ربما هناك صفقة ما. فكما أن   الإرهاب خطر حقيقي على الأمن القومي العربي، فإن الأكراد من جهة أخرى خطر حقيقي على الأمن القومي التركي والإيراني. المهم ألاّ يبالغ سنّة العراق في التدخل بصراع من هذا النوع حتى لا يكونوا الضحية الأولى فيه.

كردستان تستطيع تسليم اللاجئين السنّة، وطرد المهاجرين بمئات الآلاف، وتحويل سنة العراق إلى ضحية لهذا التحول الجديد في العراق. طالما أن السنّة مهمّشون ولا يمتلكون أيّ سلطة فمن مصلحتهم تجنّب المبالغة وعدم استفزاز الأكراد حتى لا يفتحوا على أنفسهم أبواب جهنم جديدة

المصدر:وكالة يقين

تعليقات