الإثنين 11 ديسمبر 2017 | بغداد 4° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

من فكّك العراق؟

من فكّك العراق؟

يتصاعد الجدل بشأن استفتاء كردستان العراق ، بسبب ما يقال إنه التوقيت الخاطئ لهذا الاستفتاء، خصوصا وأن تهديد تنظيم الدولة الإسلامية ما زال قائما.

وبغض النظر عن إجراء الاستفتاء ، خصوصا في ظل الضغوط التي تمارس على حكومة الإقليم ، فأن نية الانفصال عن العراق باتت واضحةً وقريبةً أكثر من أي وقت مضى. وبالتالي، سنشهد على ما يبدو نهاية العراق جغرافيا، بعد أن شهدنا نهايته عسكريا وسياسيا واجتماعيا وتعليميا وصحيا، منذ فرض عليه الحصار في العام 1990، وما تلا ذلك من احتلال أميركي فكّك كل ما تبقى من مؤسسات الدولة، أسند مهمة بناء عراقٍ آخر، لا يشبه سابقه، إلى مجموعة من الأحزاب والشخصيات التي جاءت بنية الانتقام أكثر من نية بناء العراق.

في خلفية المشهد، يرى رئيس إقليم كردستان، مسعود البارزاني، أن حكومة المركز لم تلتزم بأيٍّ من تعهداتها، وإنها نكثت كل الوعود والعهود والاتفاقات التي تمت منذ ما قبل 2003، أيام مؤتمر المعارضة العراقية، وأيضا ما بعد العام 2003. ولعل آخر تلك الاتفاقات اتفاق 2010 بين البارزاني ورئيس الحكومة السابق نوري المالكي الذي تعهد للأكراد بتلبية كل مطالبهم، في مقابل دعمه لولاية ثانية، وهو ما حصل من دون أن يحصل الأكراد على شيء.

“قبل أكراد العراق، تذكّروا أن البصرة في الجنوب سعت إلى الفيدرالية، إلا أنها قُمعت بقوة”

وفي المقابل، ترى بغداد أن التوقيت غير مناسب، وأن أي مشكل بين المركز والإقليم يمكن أن تحل بالحوار، خصوصا وأن هناك استحقاقات يجب معالجتها قبل الولوج إلى بوابة تقسيم العراق، منها المناطق المتنازع عليها، والتي باتت بحكم الأمر الواقع تحت سيطرة الأكراد، ولعل هذا ما يفسر السبب وراء هذه الهجمة الإعلامية الكبيرة على قرار الانفصال، سواء من بغداد أو من الدول الإقليمية، ففي العام 2005 جرى الاستفتاء نفسه في مدن الأكراد، أربيل والسليمانية ودهوك، من دون أن يثير هذه الاعتراضات.

السؤال الآن، وبما أننا نسير في طريق تفكيك العراق، من الذي قاد العراق إلى هذه المآلات؟ من الذي دفع العراق إلى الوقوف على حافة الانفصال؟

بالتأكيد، يقف الاحتلال الأميركي أولا، مسؤولا عن الواقع العراقي اليوم، فهذا الاحتلال هو من مكّن لشخصياتٍ وأحزابٍ لا علاقة لها بالعراق سوى الاسم، لتحكم هذا البلد العريق وتتحكّم به، والاحتلال هو من فكّك مؤسسات الدولة العراقية التي تعود إلى أكثر من مائة عام، وهو الذي صنع عملية سياسية بذرت بذور الفرقة والانقسام بين العراقيين، من خلال مجلس حكم وزع أعضاءه بحسب نسب وجود المكونات، كما ادّعى، فاكتشف العراقي، من لحظتها، أنه من مكونات العراق، وليس أنه عراقي وعراقي فقط.

المسؤول الثاني وراء تفكك العراق، البلد والدولة، حكومات الاحتلال التي تعاقبت، والتي دفعت بالعراقيين إلى حافة الحرب الأهلية، وفرخت بعد ذلك مليشيات شيعية متطرّفة تحكم بالشارع العراقي وتتحكم به، وأيضا بالقرار السياسي مدعومة من إيران التي وجدت في العراق عقب العام 2003 ساحتها الأفضل للانتشار والتوسع في الشرق الأوسط بغطاء أميركي، والذي رفع قطع اليد الإيرانية، بل وفر لها كل أسباب البقاء والدعم.

لعبت الحكومات عقب الاحتلال دورا محوريا في طرد كل مكونات المجتمع العراقي من خيمة الوطن، بسبب سياساتها الطائفية والقمعية والإقصائية التي لم يسلم منها حتى الشيعة العراقيون ممن تدّعي هذه الحكومات أنها جاءت منهم، وأنها حريصة عليهم، فهذه الحكومات جذّرت الفواصل الطوائفية والعرقية بين أبناء الشعب، وتحولت إلى حكوماتٍ تنفذ ما يملى عليها من إيران الراعي الرسمي لها، بعيدا عن أي مصلحة عراقية في ذلك، وربما لا نبتعد كثيرا إذا ما رجعنا قليلا إلى الوراء، وتحديدا عام 2013، عندما انتفض السنة في العراق، رفضا لسياسات الحكومة في بغداد، قبل أن تتعرّض للقمع والقتل والاعتقال، وما تبعه بعد ذلك من ظهور مخيف لتنظيم الدولة الإسلامية الذي استولى على نصف أراضي العراق.

العامل الثالث هو الدول العربية التي ما حرّكت ساكنا، وهي ترى العراق يحتل، ومن ثم يتحول إلى حديقة خلفية لإيران، بل وقفت، في إعلامها ، في أحيانٍ كثيرة، إلى جانب التوغل والتغلغل الإيراني، ولعلنا نتذكر قناة العربية التي تأسست قبل الاحتلال الأميركي بشهر لتتحول ناطقة .

“لعبت الحكومات العراقية عقب الاحتلال دورا محوريا في طرد كل مكونات المجتمع العراقي من خيمة الوطن” بلسان أحزاب إيران في العراق، والمنبر الإعلامي الأكثر أهمية لتلك الأبواق. ونتذكّر أن قناة الجزيرة، مثلا، أغلقت عام 2005، بينما بقيت مكاتب “العربية” تعمل في طول العراق وعرضه، وهذا نموذج بسيط لما قامت به الحكومات العربية من تخلّ كامل عن العراق، معتقدة أن النار ستقف عند حدود العراق، ولن تصل إليها.

قبل أن نلوم الأكراد على قرارهم بالانفصال علينا أن نبحث عن الأسباب التي دفعتهم لذلك، لا يمكن أن نعالج مشكلة من دون أن نشخصها بشكل صحيح، فعراق اليوم ما عاد يشبه نفسه. وبالتالي، لو تتاح لأي مكون عراقي الفرصة للانفصال عن سرّاق بغداد لما تردّد لحظة. وقبل أكراد العراق، تذكّروا أن البصرة في الجنوب سعت إلى الفيدرالية، إلا أنها قُمعت بقوة.

المصدر:العربي الجديد

تعليقات