الجمعة 15 ديسمبر 2017 | بغداد 15° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

أردوغان وتطبيق الثورة الثقافية الصينية في تركيا.... د. مثنى عبدالله

أردوغان وتطبيق الثورة الثقافية الصينية في تركيا…. د. مثنى عبدالله

في 16 مايو 1966 أعلن الزعيم الصيني ماو تسي تونغ ثورة البروليتاريا الثقافية الكبرى. كان المبرر هو وجود ثغرات في الحزب والدولة تسلل منها ممثلو البرجوازية، وباتوا يسيطرون على مفاصلهما ويأكلون من جرف القرار السياسي الصيني، وأن الثورة سائرة في طريق الانحراف، ولابد من التصدي لهم.

حينها دعا الشباب الصيني إلى تنظيم أنفسهم في مجاميع عُرفت بالحرس الأحمر، وقاموا بتحطيم كل شيء يمكن أعتباره برجوازيا أو أقطاعيا وعمت الفوضى البلاد، واعتقل الملايين بشبهة البرجوازية والإقطاعية، وعُذبوا ورُوعوا وفُصلوا من وظائفهم، وجرى اجتثاث مئات الآلاف من رفاق الأمس والأصدقاء والحلفاء. حينذاك بات المجتمع قاب قوسين أو أدنى من حرب أهلية، وبقي يعاني من آثارها لسنين لاحقة بعد انقشاع غيمتها. فهل الطيب أردوغان يسير على المسار نفسه؟

لا يوجد عاقل يستطيع تبرير الانقلاب، فهو حدث كبير لا يمتلك أدنى شرعية قانونية أو أخلاقية، في حين أن السلطة التي يمثلها الرجل تمتلك كل ذلك. وعلى الرغم أن فوزه كان بنصف نعم، 52 بالمئة من أصوات الناخبين، لكن هي اللعبة الديمقراطية التي نصبته فائزا. وخلال المسيرة أثبت أنه رجل دولة يفتش عن الحلول الصحيحة بأقل الأثمان والكلف السياسية والاجتماعية، فنقل المجتمع والدولة من حال إلى حال، لكن الأزمات في بعض الاحيان تكشف معدن الساسة ونوازعهم خاصة أنهم بشر.

فشل الانقلاب بسرعة قياسية، لكن رد الفعل عليه بكل ما احتواه من مشاهد بات أهم من الحدث نفسه، فأعطى أنطباعا بأن الرجل كان يبحث عن مبرر وذريعة. بالمقابل مبرراته وذرائعه أعطت البعض ذرائع ومبررات للبحث عن تصرفاته للحكم على طبيعة إجراءاته الاخيرة. وفي غمرة الهياج العاطفي الجارف إلى ناحية الطيب أردوغان، غاب عن ذهن البعض أن فتح الله غولن ليس يساريا ولا علمانيا. أنه طرف بارز في الحركة الإسلامية التركية، وحليف وصديق مقرب من أردوغان وهو الذي أوصله للسلطة، واعتمد عليه الاخير في بداية تصدره الزعامة السياسية، كي يُشكل جمهورهما في الشارع رقما صعبا يواجهان به الجيش، كي لا ينقلب على الحكم الاسلامي، واستخدم القضاة التابعين لحركة غولن في الاطاحة برؤوس كبيرة من قادة الجيش. كما قدم غولن خدمات كبيرة للمجتمع التركي، مُنحا دراسية للطلبة المحتاجين، ومساعدات إنسانية للعوائل الفقيرة، ومؤسسات تدريب وتعليم الموظفين كي يصبحوا كوادر، وفروع مؤسساته في العالم كانت تستقبل المواطن التركي وتوفر له السكن وفرص العمل. انقلب عليه أردوغان عام 2012 عندما اتهمه بالتنصت على الحكومة. لكن هذا لم يكن الانقلاب الأول الذي يقوده الطيب على رفاق وحلفاء الامس. فقد انقلب على معلمه نجم الدين أربكان، ثم حليفه وصديقه ونائبه بولنت أريــــج عــندما كان رئيسا للوزراء، تبع ذلك الانقلاب على عبدالله غول الرئيــــس السابق لمجرد أن الرجل خرج مصرحا، بأن على تركــــيا أن تعيد النظر في سياستها الخارجية، فتبعه الطيب مباشرة بالقول، إن هنالك بعض الجبناء والخونة الذين يعيبون علينا سياستنا الخارجية. وكان آخر المغضوب عليهم من الحلفاء هو رئيس حزب العدالة والتنمية، ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، المفكر وصاحب نظرية صفر مشاكل ومؤلف كتاب «العمق الإستراتيجي».

كل هذه المؤشرات تعطي انطباعا بأن الرجل باتت تسيطر عليه بشكل كامل النزعة السلطانية، ولابد له من التخلص من جميع الاراء المختلفة، لأن لديه الحلول لكل شيء كما يعتقد، وهنا مكمن الخطر الذي أسقط زعامات تاريخية كبرى في العالم الثالث. فالمجتمعات تتقدم بالتعددية والتنافس الشريف والتوازن، وأن أقصاء أي عامل من هذه العوامل يقلب الطاولة. وعلى مدى عقدين من الزمن بدأ يتشكل مجتمع مدني تركي يحوي هذه العناصر الثلاثة، وبها قدم صورة مشرقة اقتصادية نهضوية واسعة. لكن السير في الاتجاه الحالي وفق المؤشرات التي ظهرت أخيرا بعد الانقلاب، فصل آلاف من عمداء الجامعات والمدرسين، فصل آلاف القضاة والحكام، حملات تطهير واسعة في الجيش والمخابرات والمحاكم، منع سفر الملايين من الموظفين، إغلاق 1043 مؤسسة تعليمية و15 جامعة و1229 مؤسسة وجمعية، و15 نقابة وحل أكثر من 2000 مؤسسة، وحل الحرس الرئاسي، سيحطم أسس النهضة التركية الحديثة لأنه تحطيم للرأسمال البشري، وسيلغي الشرعية عن الحكم القائم لانه سيمزق المجتمع التركي. علما بأن عام 2013 شهد اعتقال المئات من الضباط بتهمة القيام بمحاولة انقلابية، ثم برأتهم المحكمة العليا.

صحيح أن الطيب يتمتع بشعبية كبيرة منحته قوة في المجتمع، إضافة إلى القوة التي منحتها له الشرعية الانتخابية منذ عقد ونصف العقد، لكن ليس كل من خرج إلى الساحات مقاوما الانقلابيين كان من فصيل اردوغان.

كنا في تركيا بدعوة من إحدى الجامعات لالقاء محاضرات فيها، حين حصل الانقلاب، وحين خرجنا مع المتظاهرين كي نقيس نبض الشارع، كان الكثير من الناس يعلنون بشكل واضح انهم ليسوا مع الطيب، بل مع عدم عودة العسكر إلى السلطة. فلقد نال الضرر كل فئات الشعب التركي في أربعة انقلابات عسكرية حصلت في فترة قصيرة نسبيا، فتشكلت كريات دم بيضاء داخل المجتمع تهاجم كل انقلاب عسكري، وتحمي مكاسبها الديمقراطية بالتخلص من أي حاكم بصندوق الانتخاب وليس بالدبابة.

لقد أصاب تركيا الدولة والزعامة السياسية القلق نتيجة المحاولة الانقلابية الاخيرة، وجعلها تسلك سلوك الانسان نفسه حين تصيبه هذه الآفة، وأعراضها هي الخوف وانعدام الثقة بكل المحيط، وما دعوة الطيب أردوغان للناس في الاستمرار بالوجود في الشوارع، وتصريحاته بأن المحاولة الانقلابية مستمرة، الا دليل على أن الدولة أصابها القلق وباتت تخاف حتى من نفسها على نفسها. هي دولة من العالم الثالث والانقلاب دليل على أنها مازالت في هذا المحيط، وتعاني الامراض نفسها التي يعانيها العالم الثالث، وشحن المجتمع بالخوف يؤدي إلى نتائج وخيمة. حُقن الخوف والقلق التي يبثها الطيب أردوغان في المجتمع انتجت أفعالا وحشية. قام بعض المتظاهرين بقطع رأس أحد العسكر علانية في الشارع، وقام غيرهم بانزال الموقوفين من السيارات التي تقلهم إلى التحقيق وأشبعوهم ضربا وركلا، كما تمت تعرية بعض الجنود والسير بهم في الشوارع. وكل هذه الاعمال هي نتيجة ضخ الخوف. نعم كانت محاولة الانقلاب الاخيرة هي الاسوأ في تاريخ الانقلابات العسكرية في تركيا. كان عدد القتلى من المواطنين أكثر من 250 شخصا، وتم لاول مرة قصف مؤسسات حكومية مهمة مثل البرلمان ومقر الرئاسة ومدارس الشرطة، لكن ذلك لا يبرر الشحن العاطفي الذي تقوم به السلطة.

لقد أعطت السلطة صورة براقة على مدى سنوات، وحققت إنجازات لا ينكرها الا دعي، واليوم فترة حاسمة فيها العمل المنضبط هو إنجاز، وابتعاد عن الثارات السياسية وركن الامور إلى القانون أعظم إنجاز. فهل يهدئ الطيب اردوغان رياح العاصفة أم أنه سيبقي حالة الانقلاب موجودة كي يُقصي أكثر ما يستطيع؟

لقد قدم الشعب التركي صورة مشرقة وهو يتصدى للانقلابيين وآلياتهم بصدور عارية، وقدمت المعارضة صورة حضارية عندما وضعت خلافاتها مع أردوغان جانبا واصطفت ضد الانقلاب. هما حالتان صحيتان مليئتان بالعافية يجب أن يخافهما الطيب، لانهما قادرتان على إسقاط أي زعيم يضر بالمجتمع.

يقين نت + وكالات

ب ر

تعليقات