الإثنين 18 ديسمبر 2017 | بغداد 7° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

ما الذي جاء بالحسين إلى كركوك؟

ما الذي جاء بالحسين إلى كركوك؟

يدخل مقاتل “الحشد الشعبي” إلى كركوك دون رفع أيّ علم، للإنصاف؛ لا ذاك الذي يمثّل العراق، بلده بالولادة؛ ولا الآخر الذي يمثّل إيران، بلده بالتبنّي والولاء. لكنه، مع تغييب هذا وذاك، يشدّ جبهته برباط أحمر، كُتب عليه شعار “لبيك يا حسين”، العبارة/ المفتاح التي تربط السنة 2017 بالسنة 680، وتقيم الصلة بين كركوك الجغرافيا وعاشوراء التاريخ؛ أو بين هذه الأخيرة وأيّ، وربما كلّ، ميادين القتال المعاصرة التي يخوضها التشيّع السياسي الإيراني، في امتزاج التوصيفَين معاً: المذهبي والقومي.

ولكن… ما الصلة، حقاً، في نهاية المطاف؟ أهي تاريخية، أم دينية، أم مذهبية، أم فقهية، أم إثنية؟ أم هي، كما تبدو عليه الحال في معظم المعارك المعاصرة التي تُخاض تحت الراية الشيعية/ الإيرانية، محض حروب جيو ـ سياسية تبدأ من النداء الكربلائي (في المظهر)، ولا تغادر (في المحتوى) توطيد مصالح طهران القومية وسياسات التوسّع وبسط النفوذ والهيمنة؟ وإذا جازت استعادة تفسير حسن نصر الله للعبارة/ المفتاح إياها (قوله إنها تعني “أنك تكون حاضراً في المعركة ولو كنت وحدك، ولو تركك الناس وخذلك الناس″)؛ فهل كان أمثال هادي العامري (أبو حسن)، وجمال جعفر آل إبراهيم (أبو مهدي المهندس)، لوحدهما في عراء كركوك، دون جحافل زاحفة على المدينة، لمقاتلي “منظمة بدر” أو “كتائب حزب الله”، أو سواهما من الميليشيات المذهبية المتخندقة تحت مظلة “قوات الحشد الشعبي”؟

كلا، بالطبع، فميليشيات “الحشد” كانت ستزحف على كركوك في كلّ حال، سواء صدر الأمر من رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، أم تأخر؛ وسواء رافقت “الحشد” كتائب الوحدات الخاصة التابعة للجيش العراقي، أم تخلفت عن الركب. الأمر صدر من الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وكفى به آمراً وقائداً؛ بل كفى به مفاوضاً، قبلئذ، لأنه أنذر حكومة الإقليم في كردستان بأنْ يعيد الكرد “إلى الكهوف” إذا تُرجم استفتاؤهم إلى إجراءات “انفصالية” على أرض كركوك. وإذْ يعجز امرؤ عن فهم ما يقصده الجنرال، تماماً، من وراء إعادة البشر إلى الكهوف؛ فإنّ توظيف شعار “لبيك يا حسين” هو الذي، في المقابل، يعيد التاريخ 1337 سنة إلى الوراء، ودونما رابط تاريخي أو ديني أو مذهبي أيضاً!

المنطق البسيط يقول إنّ شيعة كركوك، إنْ وُجدوا، لا يتعرضون لاضطهاد مذهبي أو إثني يبيح لميليشيات “الحشد” أن تهبّ لنجدتهم، كي لا يُتركوا وحدهم أو يخذلهم الناس. المنطق ذاته، مبسطاً أكثر هذه المرّة، لا يشير إلى عتبات شيعية مقدسة، مماثلة لمسجد السيدة زينب في دمشق (الذي زعم “حزب الله” النفور دفاعاً عنه)، أو متممة لعتبات النجف مثلاً؛ لكي يتذرع “الحشد” بالمسارعة إلى حمايتها. ويبقى، في المقابل، أنّ المنطقَين معاً، البسيط والمبسّط، ينطويان على التفسير الصحيح، الوحيد أغلب الظنّ: أنّ كركوك، قبل أن تكون “قدس الكرد”، هي منابع نفط كبرى لا تنضب، و”الحشد” لا يقاتل لإعادتها إلى سيادة السلطة المركزية في بغداد؛ وإلا لاعتُبر الجنرال سليماني ضابطاً متطوعاً في الجيش العراقي، وليس أحد كبار جنرالات “الحرس الثوري” الإيراني، وقائد “فيلق القدس″ المكلّف بمهامّ إقليمية عابرة للحدود والجغرافيات.

وبهذا فإنّ مشاركة “الحشد” في اجتياح كركوك ليست سوى تذكرة جديدة، ضمن سابقات كثيرات، بأنّ فتوى آية الله السيستاني، التي مهدت الطريق أمام استحداث “الحشد”، فقدت الكثير من ركائزها الفقهية بصدد تلبية “نداء الواجب الكفائي”؛ لأنّ المنادي هنا هو جنرال إيراني، يأمر باجتياح مدينة عراقية واقعة ضمن مناطق الحكم الذاتي؛ ولأنّ ملبّي النداء لم يعد “أحد تشكيلات الدولة الرسمية التي تدافع عن البلاد”، حسب تعبير العبادي، بل هو ميليشيا مذهبية تأتمر بأوامر خارجية.

وهيهات أن يغيّر من توصيفها، هذا، ادعاءُ جلب الحسين إلى كركوك!

المصدر:القدس العربي

تعليقات