الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 | بغداد 19° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

كيف قرأ الشهيد محمد الفقيه بيان قمة نواكشوط؟...د. مثنى عبدالله

كيف قرأ الشهيد محمد الفقيه بيان قمة نواكشوط؟…د. مثنى عبدالله

تحصّن القادة والزعماء العرب في خيمة نواكشوط وأخرون فضلوا عدم الحضور وأن يبقوا في حصونهم يحيط بهم الحرس والخدم، وثالث أدعت أبواقه أن محاولة اغتيال له قد تم رسم خطوطها، ولم يبق إلا ساعة الصفر للتنفيذ ولهذا السبب فأنه لم يحضر .

إلا مُحمّد فقد تحصن في بيت في بلدة صوريف الواقعة شمال غرب الخليل في فلسطين المحتلة . شاب في العشرينيات من العمر من بلدة دورا في الخليل، لم يمض على زواجه سوى سبعة أشهر، وكان بانتظار مولوده الأول بعد شهرين فقط. أتهم بأنه ضمن خلية مقاومة، وهو من نفذ عملية عنتائيل، التي قُتل فيها حاخام إسرائيلي كبير قبل شهر من الآن. كان البحث جاريا عنه حين علمت قوات الاحتلال بأنه ورفاقا له موجودون في أحد البيوت، فتقدمت قوة كبيرة من الجيش الإسرائيلي تساندها الآليات والمشاة، وحاصرت بلدة صوريف كلها وقطعت التيار الكهربائي وكل وسائل الاتصال الأخرى عنها، ثم تقدمت القوة فحاصرت المنزل وبدأوا ينادون بمكبرات الصوت، «سلم نفسك يامُحمّد»، لكن مُحمّد فضل الصمت. في الليلة الماضية تردد كثيرا في قراءة بيان قمة نواكشوط، لكن رفاقه أصروا أن يقرأوا عليه شيء مما جاء في البيان . لقد أكدت القمة على مركزية القضية الفلسطينية في العمل العربي المشترك، وعلى المضي قدما في دعم صمود الشعب الفلسطيني . ابتسم محمد باستهزاء لأنه يعرف جيدا أنهم يقولون مالا يفعلون، وأن من يتبعهم الغاوون، ثم قهقه بصوت عال حين قرأ عليه رفاقه، أجماع رؤوساء الوفود المشاركة على أن القضية الفلسطينية يجب أن تظل قضية العرب الأولى قولا وفعلا، وألا يدّخر أي جهد في تفعيل العمل الحازم من أجل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني ومؤازرته في وضعه الصعب الذي يعيشه بسبب أكراهات الاحتلال . عادت مكبرات الصوت تنادي «سلم نفسك يامحمد»، لكنه بقي صامتا وفي صمته كانت مقررات ستة وعشرين مؤتمر قمة، وما يقارب السبعين عاما من الاحتلال، تذوي وتتراجع وتغيب في ذاكرته حين استرجعها، لأنها خلاصة ألم وخيبة وخديعة. كان في تلك اللحظات يريد أن يمحو كل ما سمع وقرأ من مقررات وعهود ومواثيق، لأن استعادتها سوف تأخذ منه وقتا كثيرا وهو في مواجهة الموقف. كان لا يريد أن يتذكر كيف وقف الأمين العام الجديد للجامعة العربية يوما أمام الإعلام، حينما كان وزير خارجية مصر، وقال سنكسر قدم كل فلسطيني يحاول العبور إلى مصر. كان فقط يريد أن يستمع إلى صراخ أشجار فلسطين، وهي تستغيث حين تقتلعها اليات جيش الاحتلال لبناء مستوطنات بدلا عنها، وكان ينظر إلى نفسه ورفاقه متسائلا لِمَ لم يستطيعوا التكيف مع العدو ومع ضياع فلسطين، كما تكيف الزعماء والقادة العرب وهم في قمة المسؤولية، دون أن يشعروا ولو للحظة أنهم فقدوا جزءا من ذواتهم . كان حزنه كثيفا طاغيا وهو يُقلّب المواقف ويبحث عن بصيص أمل، ومع كل نداء عليه من مكبرات الصوت، كان ينتفض ويشعر بأنه يتمدد حتى يصبح كل الوطن على عاتقه، وتكبر المسؤولية في عينيه إلى درجة القداسة. ومع النداء الأخير من مكبرات الصوت، «سلم نفسك يامُحمّد»، كان مُحمّد يعيد تقييم كل ماجرى على مدى عقود . كان يجد نفسه في عمق القضية وأن ولاة الأمور أتعبوه كثيرا، لكنه الآن هو من يقرر بعد أن ذاق وشعبه المرارة واللوعة، وبعد أن أكل حلم فلسطين المستقلة الحرة قلبه وعقله، فقرر أن يعقد مقارنة بسيطة مع نفسه. ماذا لو خرج إلى قوات الاحتلال مُستسلما وأشترى بالسجن المؤبد رؤية ابنه القادم بعد شهرين ؟ ألم يفعلها عبيدالله الصغير في الاندلس حين باعها من أجل أن يشتري بضعة أيام على عمره ؟ وفي السجن المؤبد سوف يضرب عن الطعام وتخرج التظاهرات من أجله، وترفع السلطة الفلسطينية مذكرة احتجاج إلى الأمم المتحدة، ويتضامن العرب معه في الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية، وتسانده منظمات حقوق الإنسان العربية والدولية، كي يضغط المجتمع الدولي على إسرائيل فتسمح له برؤية ابنه . في موقف آخر، ماذا لو رفع سلاحه الآن بوجه قوات الاحتلال التي تحاصره، وكتب أسطورة مقاومة عجز كل من في خيمة نواكشوط، وفي خارج الخيمة عن القيام بها على مدى عقود من الزمن ؟ أليس الموقف الثاني هو من سيرفع به ولده راسه ؟ نعم أن المشاعر الإنسانية لا يمكن أن تذوي من عقول وقلوب الرجال، بل انها تصبح كثيفة وطاغية في لحظات تقرير المصير، لكن شتان بين من يبحث عن مجد لابنه ووطنه وشعبه، وبين من يفكرون في صقورهم وخيولهم وأرصدتهم وكراسيهم وزوجاتهم وأولادهم، الذين انتشروا في كل بقاع الكون . ولم يكد النداء الأخير ينتهي حتى فضّل محمد رفع سلاحه بوجه العدو والاشتباك على تسليم نفسه، فقصفت القوة المنزل بصواريخ الدبابات والقذائف وهدمته بالكامل. برهة صمت قصيرة رانت على المكان، فظهر جنديان من جنود الاحتلال كل يمسك بإحدى أرجل الشهيد محمد، ويسحبونه بهستريا واضحة من تحت الأنقاض.

لقد فعلت نواكشوط ماعليها من واجب رتبه عليها انتمائها العربي، ورغم أنها تقبع في زاوية الجغرافيا العربية البعيدة، وليست لديها قوة البترودولار في السياسة العربية، لكن شعبنا فيها تتقد فيه شعلة العروبة والإسلام، ويقينا أن نتائج القمة هي ليست نتاج عروبته، خاصة وأنها القمة الأكثر تعبيرا عن التخبط والانهيار والإسفاف العربي . لقد أثبت النظام الرسمي العربي أنه مازال مصرا على عدم قراءة المشهد الدولي والإقليمي بصورة صحيحة، وأن كل التحولات التي شهدها العالم لازالت بعيدة عن فهمه وأستيعابه . كما أنه مازال مصرا على اللهاث خلف مبادرات سلام عربية وفرنسية وغيرها، يعرف جيدا أنها مضيعة للوقت والجهد والحقوق . وإذا كانت مؤتمرات القمة العربية لم تعبر يوما عن إرادة الشعب العربي، فهي والجامعة العربية اليوم في أسوأ حال. فالتوازنات في المشهد العربي قد تغيرت تماما، فبعض الأقطار تعيش حالة انكفاء على الذات، وبعضها تعيش تحت ضغوط غربية وباتت هي الغطاء التي تتحرك في إطاره هذه القوى الغربية في تعاملها مع الاحداث الكبيرة التي يعيشها الوطن العربي . كما أن أقطارا أخرى محتلة من إيران ومنظوماتها السياسية هي أذرع لسياستها وتعيش في دوامة الحروب الطائفية . وقد عبرت قمة نواكشوط عن كل هذه الأمراض بتقشفها في الزمن والحضور، بينما كل قضية عربية في الوقت الراهن تحتاج إلى الف قمة وقمة، كي تحاول الوصول إلى علاجات شافية وناجعة .

لقد أشتعل عقل وقلب الشهيد محمد الفقيه بهم عظيم، فقرر أن لا يترك للعدو الصهيوني فرصة صنع القرار، فأصر أن يضع هو بصماته على المشهد وفق ما يرتأيه، فخلد في موريتانيا وفي كل الوطن العربي، بينما تلاشت قمة نواكشوط من عقولنا جميعا .

يقين نت + وكالات

ب ر

تعليقات