الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 | بغداد 17° C
yaqein.net
الرئيسية » أزمة النازحين في العراق »

مادلين اولبرايت تطفو فوق الموصل...هيفاء زنكنة

مادلين اولبرايت تطفو فوق الموصل…هيفاء زنكنة

في الأشهر التي سبقت غزو العراق عام 2003، أطلقت منظمات انسانية دولية، التحذير تلو التحذير، عن كارثة انسانية مقبلة سيعيشها المدنيون إذا ما تم شن الهجوم العسكري بدون الأخذ بنظر الاعتبار حياة المدنيين. لم تصغ الدول العظمى صاحبة القرار، أو الدول العربية التابعة لها، اذ لم تكن حماية المدنيين ومستقبلهم من اولوياتها، وأقصى اهتمام أولته للضحايا، عبر سنوات الاحتلال، وتنصيب حكومات محلية تحمي مصالحها، هو اعتبار المدنيين « ضحايا ثانويين» في مخطط يستحق التضحية بالملايين، ان اقتضى الأمر. ليطبقوا بذلك مقولة مادلين اولبرايت، وزيرة الخارجية الامريكية في فترة الحصار، في التسعينيات، بأن محاولة تغيير نظام صدام حسين، نعم، يستحق موت نصف مليون طفل عراقي.

نعيش، هذه الأيام، استنساخ سياسة اولبرايت، بمستويات متعددة. بين ايدينا، اليوم، تحذير أصدرته لجنة الصليب الاحمر الدولي، في 29 تموز/ يوليو، عن استعداد ما يسمى بقوات التحالف، بقيادة أمريكا، والقوات العراقية من جيش وأمن، وميليشيات الحشد المدعومة ايرانيا، لاسترداد مدينة الموصل، ثاني مدن العراق، من تنظيم الدولة الاسلامية، موضحة بان العمليات العسكرية (معظمه قصف جوي)، ستؤدي إلى اجبار نحو مليون شخص إلى النزوح من ديارهم في الاسابيع والاشهر المقبلة، مما سيتسبب في مشكلة انسانية كبرى، آخذين بنظر الاعتبار ان هناك 10 ملايين عراقي يحتاجون إلى مساعدات انسانية الآن، منهم 3 ملايين ونصف المليون من النازحين الذين سيرتفع عددهم بشكل كبير عند انطلاق عملية استرداد الموصل، حسب روبير مارديني، المدير الاقليمي للجنة الدولية للصليب الاحمر في الشرقين الادنى والاوسط.

اثار مارديني، في تصريحه، ايضا، قضية معاملة الفارين من الاقتتال، ووجوب معاملتهم بشكل انساني. وكانت قوات النظام وميليشيات الحشد الشعبي، من بينها حزب الله وعصائب الحق وقوات بدر، قد اعتقلت وعذبت اعدادا من الفارين بالاضافة إلى قتل واختفاء المئات من سكان الفلوجة والصقلاوية، ويبقى مصير الكثيرين مجهولا حتى اليوم. والأدهى من ذلك، اساءة معاملة النازحين ومعظمهم من النساء والاطفال الذين تم فصلهم عن الرجال، وقصف مخيماتهم، التي من المفترض أن تكون محمية من الدولة. وكانت المنظمات الانسانية قد حذرت مما سيجري بناء على سيناريو « التحرير» السابق الذي انجزته قوات النظام والميليشيات في مدن أخرى. وها هي ذات المنظمات تصدر تحذيرها، من جديد، وسط اجواء النزاع المحموم حول السماح بدخول الميليشيات مدينة الموصل، بالاضافة إلى القصف الجوي « التحالفي»، خاصة بعد ان هدد قائد ميليشيا عصائب أهل الحق أن «من يعترض على مشاركة فصائل الحشد الشعبي في معارك التحرير سيسحق بالأقدام ولا يلومن إلا نفسه». وأعلن العميد أيرج مسجدي، المستشار الأعلى في الحرس الثوري الإيراني، السبت الماضي إن بلاده ستشارك رسميا في معركة الموصل، وأكد وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي دور ايران وانها « تقدم الدعم للقوات الامنية العراقية بصورة مباشرة وغير مباشرة من اجل تطهير الموصل». مما يعني، باختصار شديد، ان كل من هب ودب من الدول العظمى إلى الدول الاقليمية والميليشيات والمنظمات الارهابية التابعة لها، سيتنافس على «تطهير» و « تحرير» مدينة الموصل.

ولكن، ما هو رأي اهل الموصل انفسهم، بعيدا عن ساسة الحكومة الذين يدعون تمثيلهم، وعن اجهزة الاعلام المطبلة للحرب العالمية على الارهاب ( أمريكا وحلفائها) وتلك المقسمة، اقليميا حسب معادلة سنة – السعودية – شيعة – ايران، ومحليا، وفق محاصصة شيعة – سنة – اكراد بدون ذكر لبقية ابناء الشعب؟

صوت اهل الموصل غير مسموع، ايضا، بسبب القمع وتكميم الافواه الذي يمارسه ارهابيو «الدولة الاسلامية»، وألا يسمح بتمرير اية معلومة خارج نطاق اجهزة اعلامها، الا فيما ندر. هناك مثلا حوالي ثلاثة مواقع فقط، يخاطر اصحابها بحياتهم لنقل يوميات الرعب التي يعيشها اهل الموصل بالاضافة إلى الاتصالات الهاتفية الحذرة مع الاهل بالموصل. وتتغربل الصورة اكثر حين يتمكن احد السكان من الهرب ويختار الحديث، بشكل علني، عما يحدث. الصحافية هبة نزار واحدة ممن اختاروا الحديث بعدما اتهمها تنظيم الدولة الاسلامية بـ»الردّة»، ونجحت في الهرب من مدينتها الموصل. في مقابلة مع صحيفة « المدن» الالكترونية، تحدثت بالتفصيل عن بطش التنظيم، وكيف يحكم المدينة بالشفرة والسكين وما تتعرض له النساء من قيود لا علاقة لها بالاسلام. كما تحدثت عن استشراء الخوف مشيرة إلى ان اهالي المدينة لا يعانون من التنظيم فحسب بل ومن قصف التحالف الذي « يؤدي غالباً إلى كوارث». ففي إحدى المرات « دمّر القصف 25 منزلاً. تخيّل! حصلت كارثة في المدينة تشبه أحداث 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة. يومها ضرب التحالف مخازن للأسلحة وسط الأحياء الشعبية. انفجرت المخازن وبدأت الإنفجارات تتتالى لتدمّر كل شيء. يومها قامت المدينة ولم تقعد. لم يتحدث الإعلام عمّا حدث في ذلك اليوم. كنا نُقتل ونُذبح وسط سكوت الجميع». وحين سئلت هبة عن صحة مايقال بأن اهل الموصل لا يثقون بأحد، أجابت بمرارة تفطر القلب وليس لدي ما اضيفه عليها: « أعتقد أن هذا صحيح. لقد تركَنا العالم لمصير أسود بين الوحوش. يسألون اليوم ان كان أهل المدينة سيتعاونون مع الحشد الشعبي في حال دخوله. لا أظن هذا. تريد الناس دخول قوات جديدة إلى المدينة كي تفسح لهم مجالاً للهرب. لم يعد هناك أي مجال للثقة والناس متأكدة أنه في حال ذهب «داعش»، من الممكن أن يأتي ما هو أفظع منها في المستقبل».

يقين نت + وكالات

ب ر

تعليقات