الأحد 17 ديسمبر 2017 | بغداد 10° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

تناسق اللعب الأمريكي الإيراني في العراق والمنطقة

تناسق اللعب الأمريكي الإيراني في العراق والمنطقة

ما يزال المشهد العراقي بحاجة لتسليط مزيد من الضوء على الدور المشترك والتعاون المتناسق بين واشنطن وطهران، والذي تثبته مرة أخرى ـ إثبات ما هو مُثبت ـ الوقائع والأحداث التي تطورت سريعًا بعد استفتاء كردستان ولم يعد ثمة مجال لتعميته بعد أحداث كركوك الأخيرة.

 “أظهرت المواقف والأحداث أن سياسة ترمب تجاه إيران مجرد ظاهرة صوتية، أو ضجيج هدفه المناورة”

المُلاحظ بداية؛ أن الحملة المحمومة على المسلمين التي رافقت مجيء ترمب للبيت الأبيض؛ لم يطبق شيء منها تجاه إيران مُطلقًا؛ وعلى ما يبدو فإن الإدارة الجديدة تسير على خطى سلفها ـ أوباما ـ في عدم المساس بإيران بل ومنحها مزيدًا من الصلاحيات، وعلى سبيل المثال؛ فقد كافأ أوباما الإيرانيين على مدار السنوات السالفة، وليس من دليل أبلغ من سكوته عن فضيحة جنوده في الخليج حينما احتجزت القوات الإيرانية زورقين عسكريين على متنهما عشرة جنود أمريكيين في كانون الثاني/ يناير 2016، ونشرت وسائل الإعلام الإيرانية صورهم وهم خاضعين؛ وذلك بعد أشهر قليلة من توقيع الاتفاق النووي الذي حرر طهران من العقوبات، وسمح لها بتصدير واستيراد الأسلحة، ثم منحها حرية التصرف أمنيًا وسياسيًا في العراق بشكل أكبر من السابق بأضعاف.

أظهرت المواقف والأحداث أن سياسة ترمب تجاه إيران مجرد ظاهرة صوتية، أو ضجيج هدفه المناورة، لصرف الانتباه عن قضايا أخرى أكثر أهمية بالنسبة للولايات المتحدة في المنطقة؛ ويتجلى ذلك بوضوح في كيفية تخلي واشنطن عن الأكراد بين ليلة وضحاها بمقابل فسح المجال لإيران لتبلغ محطات ربما لم تكن تتوقع أن تُتاح لها، وما حديث الرئيس الأمريكي عن إعادة النظر بالاتفاق النووي، ومزاعم تجريم الحرس الثوري عشية تسليم كركوك للميليشيات والجيش الحكومي ـ المبني أساسًا على قاعدة ميليشياوية ـ إلا مظهر يدلل على ذلك.

والأكراد ـ فيما يبدو ـ لم يفهموا الرسالة حينما ألحت الولايات المتحدة على تأجيل الاستفتاء، رغم أن الجميع يدرك أن قضية الانفصال وتجزئة العراق أو تقسيمه واحدة من أولوياتها في التهيؤ لتدشين مشروع كبير في المنطقة على المدى الأبعد، فتورطوا بالإصرار على الاستفتاء ظنًا منهم أن واشنطن إنما تخاطبهم بهذه الطريقة هو من باب اللعب السياسي (المشروع)، لأن الأحزاب الكردية وتحديدًا حزب البارزاني لم يكن يخطر على باله أنه سيكون يومًا ما منتهي الصلاحية، وربما كانت الولايات المتحدة تريد من الأكراد ألا يفهموا رسالتها، لتستدرجهم إلى الفخ الذي تورطوا به، فتضعهم أمام خيارين؛ إما فض الشراكة والحلف القديم بينهما بعدما باتت إيران أكثر طاعة، وتعد بديلًا أنسب لتنفيذ المخططات ليس على صعيد العراق فقط، بل على مستوى المنطقة ككل، وإما حصر الأكراد في زاوية تجعلهم يرضخون لشروط جديدة تجني فيها واشنطن مزيدًا من المكاسب على أكثر من جانب وفي مقدمتها المِنّة على تركيا بتحجيم طموح الانفصاليين ودرء خطرهم عنها، ليتسنى للولايات المتحدة أن تطوّع أنقرة وتطالبها برد الجميل في وقت لاحق أو تداعيات يُنتظر وقوعها.

وتأكيدًا على ما سبق؛ تحدثت مجلة (فورين بوليسي) الأميركية يوم الثلاثاء 17/10/2017 بعد ساعات من أحداث كركوك؛ أن على الرئيس دونالد ترمب أن يُثبت أن خطابه حول إيران ووصفه لها بأنها تسبب الصراع والإرهاب والاضطراب في الشرق الأوسط، خطاب جاد وليس مجرد كلام.

وأوردت المجلة جملة من النقاط الجديرة بالانتباه، منها الاستدلال بوقائع تاريخية تظهر تورط إيران منذ العام 2014 بجملة أمور جاء في طليعتها؛ أن الميليشيات الشيعية التي تدعمها إيران ملأت الفراغ الذي خلفه انهيار الجيش الحكومي، وظلت تمارس سياسات طائفية وشاركت في قتل الآلاف، وتسللت إلى النظام السياسي، وانتقدت الصحيفة الشهيرة موقف حكومة بلادها الذي وصفته بالمتفرج؛ قائلة: (إن هذه المليشيات لها كثير من الأعداء والمنافسين في العراق، بينهم قوات البيشمركة الكردية، والعرب السنة، والشيعة المعتدلون، والقبائل، ورجال الدين الذين لا يرغبون في ارتماء العراق أكثر في محور النفوذ الإيراني،…، كل هؤلاء يستحقون الدعم الأميركي، وعلى واشنطن ألا تقف متفرجة بعد جلاء غبار المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية).

ولم تقف المجلة عند هذا الحد في التوصيف؛ بل أشارت إلى أن المليشيات الموالية لإيران سيطرت خلال أربع وعشرين ساعة على مدينة كركوك، مما يعني أن هزيمة الأكراد تهدد بهزيمة أميركا أيضًا ـ باعتبارهما حليفين إلى ما قبل تطور أحداث كركوك، ثم يبدو أن الحال تغير بعد ذلك ـ، فضلاً عن أن  كركوك تقع جغرافيًا في منطقة ليست بعيدة كثيرًا عن مدينة تلعفر التي عززت المليشيات الموالية لإيران وضعها فيها خلال الحرب ضد (تنظيم الدولة)، حيث تعد المدينة الواقعة غرب محافظة نينوى نقطة المرور لتعزيز القوات والإمدادات في سورية.

وفي خضم محاولات النقد الذاتي الذي تحاول المجلة ممارسته؛ تتكشف ملامح سيناريوهات مستقبلية، بقصد أو بغيره؛ فقد أشارت (فورين بوليسي) إلى أن ثمة نظام سياسي جديد في طور التشكل من تحت أنقاض الحرب في العراق وسورية، وقالت إن على واشنطن أن تنظر إلى الصورة الكبيرة للشرق الأوسط بأهمية أكثر، ووضع خطوط حمراء تقيد توسع إيران التي ظلت تستعد منذ عقود للحظة التي يبرز فيها (نظام جيوسياسي) جديد للمنطقة، لاسيما وأن خبرتها في الحروب بالوكالة أصبحت غنية، وما تجربة (حزب الله) في لبنان وسورية ببعيدة عن الأذهان.

النقاط السابقة؛ ليست بخافية مطلقًا عن الإدارة الأمريكية، بل هي واضحة في المشهد العراقي بشكل لا يحتاج إلى عناء فكر أو جهد بحث لرصدها، وما تفعله مجلة بهذا المدى من الشهرة بمطالبة واشنطن بحزمة إجراءات في هذا السياق؛ إلا لأن الساحة السياسية الأمريكية تشهد غض طرف مقصود، وإحجامًا عن التحرك للحيلولة دون سلوك إيران هذه المسالك، مما يعني صراحة وضمنًا ان أمريكا راضية تمام الرضى عن إيران وحراكها المتنامي.

“منذ رفع العقوبات العام الماضي، تمتعت إيران بنفوذ مالي واقتصادي متزايد استغلته في زعزعة أوضاع كثير من جيرانها، اعتمادًا على الحروب بالوكالة”

ولو رصدنا الأحداث بعين أمريكية لكنها خارج مصانع القرار فيها؛ لوجدنا تشخيصًا لافتًا يعد بمثابة شهادة تصدق على كل ما سبق؛ فهذه مؤسسة (هيرتدج) في واشنطن أكدت يوم الثلاثاء 17/10/2017 أيضًا؛ أن نفوذ إيران المتزايد يهدد استقرار (الشرق الأوسط) ويضر مصالح من أسمتهم (حلفاء أميركا)، والمعني بذلك دول الخليج، وفي ذلك إشارة إلى سياسة الولايات المتحدة في التخلي عن الحلفاء أو استبدالهم بعد انتفاء الحاجة إليهم، أو اقتضاء مرحلة ما استعمال وسائل مغايرة.

وبحسب الدراسات ذات العلاقة وواقع الأحداث الذي يؤكدها؛ فإنه ومنذ رفع العقوبات العام الماضي، تمتعت إيران بنفوذ مالي واقتصادي متزايد استغلته في زعزعة أوضاع كثير من جيرانها، اعتمادًا على الحروب بالوكالة؛ إذ أن لها تاريخًا طويلًا في دعم الجماعات المتمردة وتهديد الحكومات المستقرة بالمنطقة، مثل دعم الحوثيين باليمن، وصار لها باع ممتد في تهريب الأسلحة والجنود بالاستفادة من حرب العراق ضد (تنظيم الدولة الإسلامية) وعدم الاستقرار الناتج عنها، فأنشأت بنية تحتية للعمليات اللوجستية لنقل الدعم بالسلاح والبشر عبر العراق إلى القوات الموالية لها في سورية ولبنان.

“ليس من المعقول أن تخوض الدول العظمى حربًا ضد تنظيم محدود العدد ومساحة الانتشار”

ويأتي انحياز إيران إلى الأنظمة القمعية في المنطقة مثل النظام السوري، الذي كان دعم طهران له أحد أهم العناصر الأساسية لبقائه، فضلاً عن رعايتها ودعمها للإرهاب الذي ترعاه الدولة ـ إرهاب الميليشيات والجماعات المدعومة حكوميًا ـ وهو أحد المسارات العلنية لحراك إيران في العراق، مما استدعى أن يكون الخطاب الإعلامي الظاهري للإدارة الأمريكية يتناول إيران بوصف أنها (دولة راعية للإرهاب)، ضمن السياق نفسه الذي يتخذ من المناورة سبيلًا لصرف الانتباه عن حقيقة الشراكة والتناسق وتبادل الأدوار بين مشروعيهما.

وتحليلًا لما ورد في تقرير المؤسسة؛ فإن الحراك الإيراني ولاسيما بوسائلها آنفة الذكر؛ يجري بتنسيق حقيقي مع الولايات المتحدة؛ هدفه زيادة الطرق على أنظمة الحلفاء للحصول على مزيد من الرضوخ، ولا شك أن سياسة ترمب واضحة في هذا السياق، وإلا ليس من المعقول أن تخوض الدول العظمى حربًا ضد تنظيم محدود العدد ومساحة الانتشار، ولا تمتلك معلومات لوجستية عن القوى الحاضرة في المنطقة وفي مقدمتها إيران التي انتقلت منذ سنين إلى العمل الصريح المعلن وتخلّت عن أسلوب التقية في العمل الميداني في العراق وسورية.

المصدر:الهيئة نت

تعليقات