الإثنين 18 ديسمبر 2017 | بغداد 18° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

الصناعة الوطنية بين الاهمال و التهميش المقصود و منافسة المستورد

الصناعة الوطنية بين الاهمال و التهميش المقصود و منافسة المستورد

جميع دول و بلدان العالم تفتخر بصناعتها الوطنية حيث تفتخر بريطانيا بأنها مفجرة الثورة الصناعية في العالم، و تفتخر اليابان بأن جميع بلدان العالم تستخدم منتجاتها، و لا يختلف اثنان لولا منتجات الصين لما استطاع احد شراء أي منتجات كهربائية أو صناعية أو ألعاب الأطفال؛ و ذلك لرخص ثمنها و جمال شكلها، و خلال  مشاهدتنا لإيران كيف استطاعت أن تقف بوجه الحصار الذي فرضته عليهم أمريكا و الدول الكبرى، و استطاعت أن تكسر الحصار الاقتصادي المفروض عليها باعتمادها على المنتوج الوطني في الصناعة و الزراعة، و كذلك في مجال التسليح و غيرها في كافة المجالات، بينما نحن في العراق يعاني قطاع الصناعة بعد عام 2003 واقعا مترديا في جميع مفاصله، و شللا شبه تام لجميع المنشآت الصناعية و المصانع الكبيرة و المعامل الصغيرة للقطاعين الحكومي و الخاص، بعد أن كانت صناعتنا الوطنية مزدهرة و متطورة، و مواكبة لآخر التطورات التكنولوجية على الرغم من الحروب الطويلة و سنوات الحصار الطويلة و السياسات الخاطئة التي أدخلنا فيها النظام السابق، و لكن رغم كل هذه الظروف و غيرها التي مرت على العراق إلا أن عجلة الصناعة العراقية تدور، و آلات المصانع الحكومية و القطاع الخاص تعمل و تنتج السلع و البضائع و منتجات الألبان و المعلبات التي تحمل جودة كبيرة، و ضمن المواصفات العالمية التي و ضعت من قبل الجهاز المركزي للقياس و السيطرة النوعية ، السؤال الذي يطرح نفسه و نبحث عن إجابته هو لماذا أصبحت الدولة العراقية و جميع قطاعاتها و وزاراتها مستهلكة و ليست منتجة؟ و لماذا أصبحت عالة على الاقتصاد العراقي و على الموازنة و لماذا أصبح الألف من منتسبي المعامل و المؤسسات تستلم رواتبها من وزارة المالية على شكل قروض تحتسب على وزارة الصناعة بعد أن كانت وزارة الصناعة تكتفي ذاتيا، و تساهم برفد ميزانية الدولة العامة بإيرادات مالية كبيرة و منتجاتها تسد السوق المحلية، في هذا التحقيق سنبحث عن الأسباب و المسببات و العراقيل التي تواجه الصناعة العراقية، و إيجاد طرق للحلول الناجحة مأ اجل بناء صناعة وطنية متميزة و نفتخر و نتباهى بها .

 

الدكتور (عادل الأسدي) أستاذ في الاقتصاد الدولي يقول :

“من أهم مسببات ضعف الصناعة الوطنية في العراق هو عدم الاهتمام بمجال البحوث العلمية”

إن من أهم أسباب فشل قطاع الصناعة الوطنية هو دور الاحتلال الذي قام بتدمير البنى التحتية للقطاع الصناعي، و بالأخص المنشآت العملاقة و المصانع الكبيرة، بل و حتى المصانع المتوسطة و الصغيرة، و كذلك دمر ما يسمى بهيئة التصنيع العسكري التي كان من الممكن تحويل مصانعها من الصناعة العسكرية إلى الصناعة المدنية و العامة، و سبب هذا التدمير الذي قامت به قوات الاحتلال له جواب واحد فقط، هو لتحقيق أهداف سياسية مرسومة من قبل الدول الكبرى، و جعل العراق و صناعته الوطنية ضعيفة و تابعًا له،م و بحاجة لمنتوجاتهم و بضائعهم و شركاتهم، و كذلك خلال أربعة عشر عاما بعد الاحتلال و منذ عام 2003 و لغاية الآن لم نجد خطة أو دراسة أو بوادر لإنعاش الصناعة الوطنية من قبل صناع القرار العراقي، و لكننا نجد حلولا وقتية و ترقيعية و كأن العراق لا يمتلك طاقات بشرية و علمية و خبراء لرسم إستراتيجية لبناء الصناعة الوطنية و الاعتماد على المنتج الوطني و الاكتفاء الذاتي .

 

و يقول المهندس (هشام محمد حسين) اختصاص هندسة تكييف و تبريد :

كان العراق و منذ أيام الحكم الملكي و تأسيس الدولة العراقية يعتمد على الصناعة و المنتجات الوطنية حيث بدأ ببناء المعامل الكبيرة في جميع محافظات العراق مثل معمل الورق و معامل السكر و مصانع الاسمنت و مصانع المنتجات الجلدية و معامل الزيوت و مساحيق الغسيل و مصانع تعليب المنتجات الغذائية و الألبان و معامل الغزل و النسيج و غيرها من المعامل، و المصانع و جميعها أنشئت في أربعينيات و خمسينيات القرن الماضي و خلال فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم و لغاية تسعينات القرن الماضي، و بعدها دخلنا في حصارا اقتصاديا طويلا و رغم ذلك و الصناعة الوطنية مستمرة، أما بعد عام 2003 و التي أدت إلى انتهاء أو تحجيم دور الصناعة الوطنية؛ يعود لعدة أسباب: منها دور الاحتلال في تحطيم البنية التحتية للعراق، و كذلك عمليات السلب و التخريب التي حدثت أثناء الاحتلال، و لكن أحد أهم الأسباب هو تبوء المسؤولين و المدراء و بعض القيادات غير كفوءة على رأس صناع القرار في القطاع الصناعي؛ و ذلك بسبب مبدأ المحاصصة الطائفية التي تجري بها العملية السياسية في البلاد، و التي تم تطبيقها في جميع مفاصل المؤسسات الحكومية، و التي وصلت إلى المناصب الصغيرة و كذلك استبعاد الكفاءات العلمية التي تمتلك الخبرة الطويلة في مجال الصناعة و تهميش دورهم في إعداد خطط حقيقية لإنقاذ الصناعة الوطنية، و الذي أدى إلى هجرتهم إلى خارج البلد .

 

و للمحامي (أمير محمد علي) رأي في الموضوع :

الفساد الإداري و المالي في جميع مؤسسات الدولة، و منها وزارة الصناعة و غياب الرادع القانوني و الإجراءات الصارمة لمحاربة المفسدين و المتورطين بسبب المحاباة و المجاملات السياسية بين جميع الكتل و الأحزاب المشتركة في العملية السياسية، و كذلك استهداف الكفاءات العلمية، و التي تتمتع بالخبرات العلمية في مجال الصناعة من خلال عمليات القتل و التهجير التي حدثت خلال فترة الأحداث الطائفية التي مرت على البلد ، التي أدت إلى هجرة الآلاف من الكفاءات العلمية خارج البلاد، و كذلك إهمال إعادة تأهيل المنشئات الصناعية الكبيرة و المصانع و المعامل التي أصابها التدمير و التخريب و النهب، و التي تعتبر عمود الصناعة العراقية .

 

الأستاذة (سعاد الجبوري) مصممة ديكور تقول :

“من أهم أسباب فشل قطاع الصناعة الوطنية هو دور الاحتلال الذي قام بتدمير البنى التحتية للقطاع الصناعي”

إن من أهم مسببات ضعف الصناعة الوطنية في العراق هو عدم الاهتمام بمجال البحوث العلمية و الذي يعتبر من أهم العوامل التي تؤدي إلى النهوض بالقطاع الصناعي و تطويره وفق أحدث التطورات التكنولوجية في العالم، و عدم وضع التخصيصات المالية للبحث العلمي و عدم احتضان الكفاءات العلمية المتميزة، و حمايتها من الإغراءات الخارجية و كذلك عدم حماية الصناعة الوطنية و المنتجات المحلية من المنافسة مع مثيلاتها المستوردة، و فتح أبواب الحدود على مصراعيها أمام الاستيراد العشوائي لجميع أنواع السلع و المنتجات الرديئة في ظل شبه غياب لدور الجهاز المركزي للقياس و السيطرة النوعية و الرقابة و غياب القوانين و التشريعات التي تنظم عملية الاستيراد في البلد .

 

و يقول (سعد حسام الدين) مستثمر و صاحب معمل لإنتاج المطابخ الحديثة :

لم نجد سياسة استثمارية حقيقة في البلاد، و التي أدت إلى ضعف دور الاستثمار في الجانب الصناعي و عدم وجود تخطيط استثماري حقيقي للنهوض بهذا القطاع المهم، و الذي يساهم في اقتصاد البلد بشكل عام و القطاع الصناعي بشكل خاص؛ و ذلك بسبب الصراعات السياسية بين الكتل و الأحزاب و عدم وجود أصحاب الخبرة و الاختصاص في أغلب مفاصل الدولة التشريعية و التنفيذية، و كذلك الإهمال الحكومي الواضح للقطاع الخاص في البلاد و بالأخص المختص في مجال الصناعة، و عدم تقديم الدعم المالي و الفني و الاستثماري، و عدم التعامل مع هذا القطاع شريكا أساسيا مع القطاع العام للنهوض بالواقع المتردي للصناعة الوطنية .

 

المواطن (علي عبد السلام) يقول :

بعد الاحتلال عام 2003 تعرضت أنا و عائلتي للتهجير، و بسبب الأعمال الطائفية، و على أثرها تركت العراق و اتجهت لمصر؛ و ذلك لوجود بعض أقاربي يسكنون فيها، و كنت املك بعض المال و عندما و صلت إلى مصر و أردت أن افتح مشروعا وجدت هناك الكثير من الترحيب من قبل المسؤولين في الدولة، حيث قدموا لي النصائح و الخطط و قمت بفتح مشروعي و هو معمل لإنتاج الأحذية و الحقائب؛ لأنها كانت مهنتي في العراق، كنت صاحب معمل في منطقة حافظ القاضي في بغداد، و الفرق بين العراق و مصر هو أن العراق اكتفى فقط على الاستيراد و عدم وجود حماية للمنتج المحلي، بينما في مصر نجد هناك حماية للمنتج المحلي، و وجود ضرائب على الاستيراد، و يتم استيراد فقط المنتجات التي لا توجد في السوق المصرية، و كذلك هناك تشجيع كبير للاستثمار من خلال تقديم تسهيلات كبيرة لهم؛ لكون الاستثمار يساهم في تطوير الصناعة في البلد، و يحد من البطالة؛ لكون أغلب العمال هم من أبناء البلد، و كذلك توفير الأموال الصعبة للبلد، و يسهم في دعم ميزانية الدولة .

… في الختام لو أردنا بناء صناعة وطنية نموذجية و محترمة، و نكون دولة صناعية و ليست مستهلكة؛ علينا اتخاذ بعض الحلول المهمة، منها: اختيار الكفاءات العملية، و من أصحاب الخبرة الطويلة في المجال الصناعي، و وضعها في المناصب القيادية لإدارة هذا القطاع الحيوي و المهم، و كذلك الإسراع بوضع خطط تنموية على أساس علمي سليم؛ للنهوض بالقطاع الصناعي، و على المدى القصير و المتوسط و الطويل الأمد و العمل الحقيقي لإعادة تأهيل المنشآت و المعامل الحكومية، و رفدها بالأيدي العاملة (العاطلين عن العمل)، من خلال إقامة دورات تدريبية و تأهيلية لهم، و العمل على القضاء على جميع حلقات الفساد الإداري و الروتين في الدولة و تشريع قوانين التعرفة الكمركية و بشكل علمي و مدروس و دعم القطاع الخاص و التعامل معه شريكا و ليس منافسا، و تقديم الدعم و التسهيلات العلمية و الفنية و المالية له، و وضع خطط استثمارية حقيقية لجميع محافظات العراق، و تشجيع الاستثمار من خلال التسهيلات المقدمة للشركات المستثمرة، و التعاون بين السلطة التنفيذية (الحكومة) مع السلطة التشريعية (البرلمان) من أجل إصدار تشريعات مهمة تفيد الواقع الصناعي، و تحسين الوضع الأمني لتشجيع الشركات المستثمرة للعمل في العراق، و استقطاب الاستثمارات الأجنبية والعربية لغرض تنفيذ المشاريع الاستثمارية الكبيرة و بالأخص الصناعية التي تحقق تنمية مستدامة للاقتصاد العراقي، و إصدار التعليمات للوزارة و المؤسسات الحكومية، و تلزمها بشراء احتياجاتها من السلع و البضائع من المصادر الوطنية، و عدم السماح لها بالاستيراد من خارج العراق لأي سلعة موجودة في البلاد، و الاهتمام الحقيقي بجانب البحث العلمي و رعاية الكفاءات و العقول العلمية و تقديم الدعم المادي و المعنوي و توفير كافة مستلزمات البحث العلمي، من أجل بناء صناعة وطنية عراقية متطورة، و إرجاع العراق إلى مكانته الصناعية المتقدمة .

تعليقات