الإثنين 18 ديسمبر 2017 | بغداد 18° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

كلمات للتاريخ في نصرة المقاومة والدفاع عن الفكرة

كلمات للتاريخ في نصرة المقاومة والدفاع عن الفكرة

ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي ينبري فيها من تورّط في تمرير مشروع الاحتلال ومنحه (الشرعية) بمفهومها الذي يُراد له أن يُروّج؛ لاتهام المقاومة العراقية ومشروعها التحرري بأنها واحدة من العوامل التي وصل بسببها حال العراق إلى ما هو واقع مُشاهَد وحاصل، ولاسيما حالة الاحتضار التي غشته في السنوات الخمس الأخيرة.

“الإشكالية الكبرى التي يعاني منها خطاب كمّ غير قليل من المتصدرين للمشهد أو المراقبين له؛ أنه لا يتناول ماهية منظومة الاحتلال على حقيقتها”

وإذ تناهى إلى المسامع في الآونة الأخيرة كلام تحدث به قيادي سابق في الحزب الإسلامي ـ أحد المكونات الخمسة التي قامت العملية السياسية على أكتافها ـ يعد فيه المقاومة عملاً غير مجدٍ، فإنه تطرف كثيرًا في محاولة تجميع تبعات عمليتهم السياسية هذه، وما نجم عنها من بأساء متزايدة وضراء متصاعدة؛ وإلقائها على ذمة مشروع المقاومة، وكأن الفصائل لم تكن تعمل بمقتضى منهج الإسلام ولا تنطلق من عقيدته المحكمة التي تنص على مواجه المحتل بكل وسيلة ممكنة وفي مقدمتها القتال!

إن الإشكالية الكبرى التي يعاني منها خطاب كمّ غير قليل من المتصدرين للمشهد أو المراقبين له؛ أنه لا يتناول ماهية منظومة الاحتلال على حقيقتها؛ بأنها متعددة الوجهات ومتنوعة الأدوات، بل يشخّصه من اتجاه واحد ويتجاهل البقية التي يعمل فيها الاحتلال بالتوازي، ليحقق أكثر من هدف على أكثر من جبهة، وبغض النظر عن أسباب ذلك ودوافعه ــ مثل غلط التصوّر، أو قلة الاطلاع، أو المصالح المادية، أو اعوجاج المفاهيم، أو الانحياز الصريح إلى الغرب ــ فإن كل ما يصدر عن أصحاب هكذا خطاب من قول وحراك ورؤية وتحليل ومشاريع؛ يكون غارقًا في غشاوة، وليس له من سبيل إلى حقيقة ولا إلى صواب؛ سواء من كان منهم في فريق العملية السياسية، أو من في خارجها ويريد أن يحل الأمور بالطرق السلمية المجردة.

كان للمقاومة مشروع قادر على بناء حياة مُثلى، وما يتصوره بعضهم بأنها كانت عاكفة على العمل الميداني المسلح ـ باعتباره صاحب المساحة الأكبر والأوسع في المشروع ـ ومقتصرة عليه مما تسبب بخسارة أهل السنة وضياع مستقبلهم؛ وهمٌ مركب؛ فهو من جهة تخل عن مبدأ حق الدفاع والتصدي للعدوان، ومن جهة أخرى قصور نظر في فهم حقيقته؛ فإن الفصائل ما كانت إلا جزءًا وأداة من المقاومة، وما وجود القوى المناهضة للاحتلال والعملية السياسية، وعملها الموازي لعمل الفصائل؛ إلا صورة من بين عديد الشواهد التي تعكس هذا المعنى، والكلام حول هذه الجزئية طويل وممنهج، ومن حقه أن ينال جانب اهتمام أكبر وأكثر تفصيلًا، ولكن الإتيان به هنا مقتصرًا على العنوان العريض؛ إنما هو للاستشهاد ولضرورة اقتضاها المقام.

إن من يحاول التقاطع مع الحقيقة التي تقتضي تجريم المحتل المجرم، ومساندة الجهد المقاوم والمناهض له؛ يوقع نفسه في مطبات لن يخرج منها مهما بذل من جهد تبريري، ولا يتفق عقل مع طرح يُسلط صاحبه الحديث على رد فعل طبيعي تقرّه الفطرة وتدعمه قوانين الحياة؛ ويتناوله على أنه سبب، فيصدر عليه حُكمًا ظالمًا منشؤه الهوى وسبيله محفوف بالمغالطات، في الوقت الذي لا يكتفي بقلب الحقائق على هذه الشاكلة بل يبرر للمتسبب ويستورد ما وسعه من حجج لإظهاره خالٍ من الأسقام، رغم قناعته بعدم صمودها في الميدان، ومن ثم يُطبّل له في كثير من الأحيان!

“غمامة الاستغراب تتلاشى حين نعود إلى الوراء قليلًا ونستذكر كيف هوى أولئك الذي تجاهلوا نصوص الشريعة”

الحديث المجرد والاتهامات المشوبة بالعاطفة التي يُرتجى منها تأجيج مشاعر طائفة أو مكون؛ أمر في غاية اليسر، ويستطيعه كل من تجاوز العقد والنصف من عمره؛ ولهذا فإن من المستغرب ابتداءً أن يصدر مثله عن امرئ ناشط في الشأن السياسي يدعي التنظير لـ(مشروع نهضة)، ويتبناه منهجًا في حراكه، فضلاً عن قيادي من المفرض أنه يؤسس لمرحلة بنّاءة كما يقول مشروعه، ويسعى لتحقيق العدل والسلم المجتمعي.

ولكن غمامة الاستغراب تتلاشى حين نعود إلى الوراء قليلًا ونستذكر كيف هوى أولئك الذي تجاهلوا نصوص الشريعة، وميّعوا ثوابت العقيدة، فانهاروا عند أول خطوات الاختبار، وأظهروا تناقضات لنظريات كانوا يحفلون بها، ويرجون لها، ففجعوا بذلك المخلصين الذين كانوا يتلقونها بمزيج من الإخلاص والتربية الرصينة.

وهنا يكون لزامًا على كل مسلم لبيب وواعٍ؛ أن يحترم عقله وتفكيره وثقافته، وأن يَبرّ فكره ـ إن وُجد ومن أي مشرب كان ـ ولاسيما في زمن الفتن كالتي تطوقنا في هذه الحقبة من تاريخ الأمة عمومًا؛ وعليه واجب استحضار القاعدة القرآنية المحكمة والرصينة التي على أساسها يتميز انضباط سلوكه عن انحرافه: (ما يلفظُ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيدٌ)؛ فإنها دليل الطريق إلى رضا الله أولاً، وسبيل النجاة من الأسباب التي تأخذ بناصية الإنسان فيمثل للحساب ثانيًا.

إن فكرة نشأت على أساس تحكيم شريعة الإسلام الشمولية، واتخذت من الجهاد سبيلًا للتصدي لخصوم يعملون جاهدين على مدى عقود لإخفائه من الحياة؛ لهي بريئة من كل دعيٍّ يرفع شعارها ظاهرًا بينما هو في طليعة الناكثين لأدبياتها، وتلفظ كل خاطئ يملأ الآفاق ضجيجًا بالحديث عن الاجتهادات والمصالح؛ بينما هو متمادٍ بانحرافه عن المسار.

 

المصدر:وكالة يقين

تعليقات