الأحد 17 ديسمبر 2017 | بغداد 10° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

خصخصة الكهرباء هو ترويض لثقافة الترشيد

خصخصة الكهرباء هو ترويض  لثقافة الترشيد

جراحات العراق كثيرة وعميقة وثقيلة، ربما بوزن وجوده الأزلي، منذ الأستاذ كلكامش إلى زمن بريمر شريف روما، وربما أقساها ألمًا “مشكلة الكهرباء” التي دفعت بـ(لعابة الصبر) أن تنتحر، كاتبة عذاباتها على بوابة بغداد رائعة أم كلثوم {للصبر حدود– ما تصبرنيش بوعود وكلام معسول وعهود، ما تصبرنيش ما خلاص أنا فاض بيه ومليت، لقيتني وأنا بهواك– خلصت الصبر معاك}

“ثبت للقاصي والداني أن وزارة الكهرباء من أفسد الوزارات، تأتي بعدها على الترتيب الدفاع والتربية”

الكهرباء هو بالتأكيد الشريان الرئيس لكل مفاصل الحياة، وأنه الداينمو المغذي لها، بل أوكسجين رئة الدولة، وأصبحت المشكلة العصيّة على الحكومات المركزية المتعاقبة منذ 2003 ناشرة تداعياتها المُرَّة خلال 14 سنة عجاف عاقدة حِلْفًا غير مقدس مع حرارة جهنم العراق 60 درجة مئوية، ومع زمهرير اسكندنافيا تحت الصفر، والحكومات العراقية المتعاقبة بعد الاحتلال البغيض عاجزة في مواجهة أزمة الطاقة المفتعلة، بالرغم مما تمّ إنفاقه من المال العام بحوالي 37 مليار دولار، لعمري إنها ميزانية ثلاث دول مجاورة، وثمة هذيان أنها تبني مليون شقة سكنية، و20 مستشفى تخصصيًا، و10 آلاف مدرسة، وتعيد أحياء مصانعنا المقفلة ووووو، لك الله يا عراق، وتبقى الحكومة في موضع الاتهام بجعل العراقي يتحسر، ويقبل اللجوء في المنافي، ويتجرع كأس الغربة بموت بطيء كل يوم .

وثبت للقاصي والداني أن وزارة الكهرباء من أفسد الوزارات، تأتي بعدها على الترتيب الدفاع والتربية، ومن أغرب العجائب أن تكون خلية الأزمة خارج العراق وفي عمان (ناكرة الجميل)؛ لكونها مزادًا علنيًا لبيع الشرف والغيرة الوطنية في بيع وشراء الوزارات السيادية في فندق فور سيزن لمن يدفع السقف الأعلى في المزاد، إضافة إلى خضوع وزارة الكهرباء للمحاصصة الطائفية، وتغافل تلك الحكومات عن البحث عن بدائل الطاقة .

“لماذا لا نتعلم من الشعوب المتقدمة حضاريًا بل نقلدها فقط بهوامشها”

والحق يقال: إن المسؤولية مشتركة بين المواطن والحكومة، فهذه سلبيات المواطن في مواجهة الأزمة :

غياب ثقافة الترشيد في استهلاك الكهرباء، وهو معطيات غياب ثقافة المواطنة، باقتناء الأجهزة الكهربائية بشكل مسرف ومفرط، حيث لا يكون غريبًا أن يوجد في منزل مساحته 100 م2 أربعة سبلتات، وثلاثة ثلاجات، وأكثر من تلفزيون عملاق، وغسالات ووووو.

  • التجاوز على خطوط النقل والتوزيع .
  • الامتناع عن تسديد فواتير الطاقة المستهلكة من قبل مؤسسات الحكومة والمواطنين .
  • البناء العشوائي الذي يقف وراءه بعض المسؤولين لأغراض انتخابية.
  • تجاوز بعض المحافظات على حقوق المحافظات الأخرى واستحقاقاتها لحصة الكهرباء، حسب قوة الكتلة التي تحكم.
  • تلاعب أصحاب المولدات بسعر الأمبير الواحد.

ولماذا لا نتعلم من الشعوب المتقدمة حضاريًا بل نقلدها فقط بهوامشها، فلننظر إلى الشعب الياباني في أيام “التحدي الثلاثي” سنة 2011 في شهرٍ واحد: تسونامي، وزلزال، وتسرب المفاعل النووي في (فوكوشيما)، علمًا أن الشعب الياباني متمرس بثقافة الترشيد والتي هي جزء مهم من ثقافة المواطنة، فهم متعودون على تمرد الطبيعة؛ فيلزم على الياباني طواعية التأقلم والمعايشة مع تلك النكبات واحتواء آثارها، حيث أن الحكومة لم تطلب منهم ترشيد استهلال الطاقة بل بالعكس خفضت سعر الأمبير الكهربائي، بيد أن الشعب رفع فيشة كهرباء المنزل واستعاض عنها بالتورش اليدوي، وإلغاء الطبخ والتعويض عنه بالوجبات السريعة، كل ذلك لأجل توفير الكهرباء لرياض الأطفال والمشافي، مع حكومة تتقن فن إدارة الأزمات، وهو فرع تخصصي يدرس منهجيًا في الجامعات اليابانية وكذلك في جامعات العالم، ولم تعتمد الحكومة على استيراد المصادر التقليدية للطاقة كالنفط والغاز الطبيعي في مجال توليد الطاقة الكهربائية؛ بل اتجهت إلى البدائل: توليد الطاقة من الرياح والطاقة الشمسية، ولم تقصّر حكومة الحزب الديمقراطي في معالجة الأزمة في 2011 ولكنها قدمت استقالتها خجلًا من الشعب، وخسرت انتخابات 2013؛ لكونها اعترفت بالتقصير !!! .

وأخيرًا / أجد من الضروري خصخصة الكهرباء للقطاع الخاص، ولو أن فكرة الخصخصة ضد نهجي اليساري ولكن للضرورة أحكام، والذي جعلني أكتب في هذا الموضوع الحساس مرة ثانية هو الإعلام السالب والمغرض في تضخيم الأمور لنشر البلبلة والفوضى في الداخل العراقي، وهو نهج الرتل الخامس، وأضع أمام المنصفين الذين لديهم ثقافة المواطنة تسعيرة الكهرباء للحكومة في 1-1-2016 لكي نثمن دورها في علاج هذه المشكلة المستعصية، هي تسعيرة مناسبة وعادلة: {تضمنت من 1- إلى 1000 وحده بسعر 10 دنانير للوحدة، أي: بسعر عشرة آلاف دينار، ومن 1 إلى 1500 وحده بسعر 20 دينارًا للوحدة بقيمة 20 ألف دينار، ومن 1 إلى 2000 وحده تكون قيمتها 40 ألف دينار… وهكذا، 30 أمبير بقيمة 80 ألف تصاعدية مع زيادة الاستهلاك، وللعلم فإن مسألة الترشيد في الاستهلاك مسألة حضارية متبعة في جميع الدول الغربية.

تعليقات