الإثنين 20 نوفمبر 2017 | بغداد 23° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

«تحرير» كركوك! ماذا عن بغداد؟

«تحرير» كركوك! ماذا عن بغداد؟

مع تسارع الاحداث، وتصاعد العنف وما يصاحبه من أزمة انسانية في إقليم كردستان العراق، ومع محاولتنا فهم الوضع، الحالي، يواجهنا إغراء كبير: أن تستغرقنا التفاصيل الداخلية والإقليمية إلى حد نسيان الوضع الدولي، مكررين ما كان الفيتناميون يقولونه أثناء حرب التحرير -تفاديًا للتطرق لانقسامات حلفائهم-: « الوضع العالمي لا يزال معقدًا».

من التفاصيل غير المفهومة حتى لمناصري القضية الكردية، مغامرة (الحماقة أحد أبعادها) رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني، هل تم إسقاطه في فخ لم يدرك أبعاده، فوجد نفسه في حفرة عميقة، حفرها له أصدقاؤه وحلفاؤه، قبل أعدائه، ليتبع مسار والده الملا مصطفى، حين اُجبر على مغادرة العراق، عام 1975، بعد أن تخلى عنه حليفه شاه إيران محمد رضا بهلوي؛ إثر توقيعه اتفاقية الجزائر مع نظام البعث ببغداد؟ حفرة أعمق من تلك التي سقط فيها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين حين طمأنته السفيرة الأمريكية، عشية خوضه مغامرة غزو الكويت، بأن ما يحدث بين العراق والكويت شأن داخلي لا يعني أمريكا، وها هو العراق لا يزال يدفع ثمن تلك الحماقة.

“هل التآخي الكردي بين الحزبين وَهْمٌ تلاشى عند صخرة التحالف الاستراتيجي مع إيران؟”

في عام 1975، شاهدنا كيف تخلى آلاف البيشمركة عن أسلحتهم خلال أيام، مرددين: ليس للكرد من صديق غير الجبال، وها نحن اليوم، نرى التاريخ يكرر نفسه بمفارقتين مأساوية – كوميدية، المفارقة الأولى: أن يقوم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني (حزب الطالباني) بتوجيه صفعة لا مثيل لها، حين تحالف مع حكومة حزب الدعوة وإيران ضد البارزاني. المفارقة الثانية: هي مغادرة بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني، مدينة كركوك، وما كان يطلق عليه مصطلح «المناطق المتنازع عليها» خلال ساعات. إنه مشهد نستحضر خلاله لجوء البارزاني عام 1996 إلى حكومة حزب البعث (العدو اللدود)، طالبًا المساعدة ضد حزب الطالباني المدعوم آنذاك إيرانيًا أيضًا.

مما يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقات بين الكرد أنفسهم، فهل التآخي الكردي بين الحزبين وَهْمٌ تلاشى عند صخرة التحالف الاستراتيجي مع إيران؟ أم أن الخلاف بين الحزبين الكرديين حول تقاسم ثروة النفط بكركوك في العامين الأخيرين؟ كما الخلاف حول استخلاص الجمارك من تهريب البضائع في التسعينيات، أعمق من تحقيق حلم استقلال كردستان؟ هل الاستقلال الكردي لعبة سياسية واقتصادية يتم تحريكها بين الحين والآخر، من قِبَل القيادات الكردية، بالتوافق مع تحالفات متحركة إقليمية ودولية، لإبقاء العراق ضعيفًا، تنخره الصراعات مع الحكومة المركزية المشغولة غالبًا باستنباط طرق كفيلة بقمع الشعب؟

هذا ما بينته حماقة البارزاني الأخيرة، وإذا كان البارزاني مثالًا فرديًا، قد يجد منفذا من حفرته مهما كان خروجه مهينًا، إلا أن التاريخ لا يرحم الدول عند سقوطها في حفرة الحماقات، الاتحاد السوفييتي أنموذجًا؛ حين اقتادته الولايات المتحدة إلى أفغانستان، بطُعم محاربة المجاهدين. ولفهم صيرورة نصب الفخ؛ يقول بريجنسكي -مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي كارتر- في مقابلة معه عام 1998: «وفقًا للنسخة الرسمية من التاريخ، بدأت مساعدة وكالة المخابرات المركزية للمجاهدين، بعد غزو الجيش السوفييتي أفغانستان. ولكن الواقع، الذي بقي سرًا حتى الآن، هو خلاف ذلك تمامًا: في الواقع، كان 3 تموز/ يوليو 1979، أي قبل التاريخ الرسمي بعام، حين وَقَّع الرئيس كارتر موافقته على تقديم المساعدة السرية لخصوم النظام الموالي للسوفييت في كابول، وفي ذلك اليوم نفسه كتبتُ مذكرة للرئيس شرحت فيها أن هذه المساعدة ستحفز -في رأيي- التدخل العسكري السوفييتي… لم نضغط على الروس للتدخل؛ لكننا زدنا احتمال تدخلهم».

إذا أخذنا هذا المسار التاريخي بعين الاعتبار، وطبقناه على مجريات الأحداث المتسارعة بالعراق عمومًا، من دحر المقاومة ضد الاحتلال إلى ولادة «الدولة الإسلامية» وما بعد الاستفتاء في إقليم كردستان، لوجدنا أن تقاطع المصالح، ليس وليد اللحظة، وهو ليس ابن النضال ضد نظام شمولي، كما أنه لا يجري وفق أهواء أو حماقات القادة، قد لا تكون أمريكا -مثلا- قادرة على كل شيء، وهي معرضة للسقوط في الكمائن مثل غيرها، إلا أن قدرتها على وضع عدة سيناريوهات في التعامل مع أعدائها وحلفائها، واستعدادها للتضحية بهم، مهما كانت درجة ولائهم؛ من أجل المحافظة على أمنها وهيمنتها، ساعد على بقائها دولة عظمى يتسابق القادة على نيل رضاها بشكل علني أو سري.

“لا عجب أن يتقدم قاسم سليماني -قائد فيلق القدس الإيراني- ليكون القائد الحقيقي لعملية إدخال ميليشيات الحشد خلال ساعات إلى مدينة النفط وغيرها”

هذه التحالفات الأقرب إلى زواج المتعة لصالح أمريكا، هي التي جعلتها تساند العراق أثناء الحرب العراقية الإيرانية، ثم مساندة إيران بالتعاون مع إسرائيل، ولم تكن أمريكا حينها ضد نظام الخميني؛ لأنه كان بنظرها مشروعًا حليفًا ضد الشيوعية، ولا يشكل التحالف معه خطرًا إسلاميًا على أمريكا، إذ «لا وجود حقيقيًا للإسلام العالمي الموحد»، بحسب تعبير بريجنسكي، وهو منظور أثبتت سنوات ما بعد غزو العراق صحته إلى حد بعيد، مع تفكيك الدولة العراقية، ومؤسسة التشرذم الطائفي، ونمو النفوذ الإيراني من خلال ميليشيات محلية، وبروز منظمات إرهابية إلى جانب الإرهاب الحكومي.

إقليميًا؛ سارعت تركيا إلى توقيع اتفاق غير متوقع مع إيران، ووقفت جانبًا بانتظار ما ستُسفر عنه الأحداث فيما يخص مدينة كركوك، واختارت أمريكا الوقوف جانبًا أيضًا، وإعلانها الحياد قبل يومين من إجراء الاستفتاء، تاركة البارزاني عاريًا إلا من صداقة الجبال بعد أن وقع في فخ الوعود الأمريكية ـ الإسرائيلية -عبر «مستشاريه» خليل زاد وغالبريث- والوعود الفرنسية -عبر كوتشينر وليفي-.

وكان البارزاني قد فَسَّر صداقة عدد من مسؤولي هذه الدول بأنه دعم سياسي دولي، متوهمًا أن الصداقة تعني مصلحة البلد، فلا عجب أن يتقدم قاسم سليماني -قائد فيلق القدس الإيراني- ليكون القائد الحقيقي لعملية إدخال ميليشيات الحشد خلال ساعات إلى مدينة النفط وغيرها. ووقف مندوبا إيران بالعراق: هادي العامري (فيلق بدر) ومهدي المهندس (حزب الله) تحت العلم العراقي، في لقطة تم إخراجها للاستهلاك الإعلامي بعنوان «تحرير كركوك»، بينما ترفرف في كل مكان آخر، وحتى على الآليات العسكرية: أعلام فصائل الميليشيات المسلحة المتكاثرة بسرعة الأرانب، الناشطة بحصانة لا مثيل لها خارج القانون، والتي تشكل خطرًا يجعل خطر البارزاني على وحدة العراق نكتة سمجة، وادعاءات حيدر العبادي بالنصر، وإخلاء المدن من « الميليشيات» نكتة أكثر سماجة.

المصدر:القدس العربي

تعليقات