الإثنين 18 ديسمبر 2017 | بغداد 18° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

قانون الأحوال الشخصية العراقي بيد «فقهاء» النجف والوقف السني

قانون الأحوال الشخصية العراقي بيد «فقهاء» النجف والوقف السني

للمرة الثالثة، منذ احتلال العراق عام 2003، يُهَدَدُ قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959 -المعمول به حتى الآن- بالتعديل، على الرغم من كونه واحدًا من أفضل القوانين المُشَرعة عربيًا، كانت المرة الأولى في كانون الأول/ ديسمبر 2003 حين استلم عبد العزيز الحكيم، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الشيعي، منصبه رئيسًا لمجلس الحكم تحت الاحتلال، لمدة شهر.

وكان واحدًا من «إنجازاته» إصدار القرار137 القاضي بإلغاء قانون الأحوال الشخصية رقم 188، وإحالة شؤون المرأة والأسرة بكل تفاصيلها الحياتية من المحاكم المدنية إلى رجال الدين، كل حسب مذهبه، خطوة أولى نحو مؤسسة الطائفية عائليًا. نَصَ القرار على «تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فيما يخص الزواج والخطبة وعقد الزواج والأهلية وإثبات الزواج والمحرمات وزواج الكتابيات، والحقوق الزوجية من مهر ونفقة وطلاق وتفريق شرعي أو خلع والعدة والنسب والرضاعة والحضانة ونفقة الفروع والأصول والأقارب والوصية والإيصاء والوقف والميراث، وكافة المحاكم الشرعية (الأحوال الشخصية) وطبقا لفرائض مذهبه». وأمر الحكيم بتنفيذ القانون منذ لحظة إصداره، متعاميًا عن كونه مجرد أجير لدى المحتل، فبعد أن احتجت منظمات نسوية، ولجأ عدد من «نسويات الاحتلال» اللواتي كن موعودات بحصة 40 بالمئة من المشاركة السياسية في مناصب الاحتلال، إلى بول بريمر، الحاكم العسكري الأمريكي لسلطة الاحتلال، تدخل لصالحهن وأجبر المجلس على تجميد القرار.

“صَوَت البرلمان يوم 31/10/2017 على مقترح قانون التعديل، ولم يتطلب الأمر أكثر من دقائق لحصول الموافقة”

كانت المرة الثانية أكثر تفصيلًا. حين طرح حزب الفضيلة الشيعي، -ممثلًا بوزير العدل حسن الشمري- مشروع القانون الجعفري إلى مجلس الوزراء في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2013، ووافق المجلس على المسودة، ولم يتم تمرير القانون بسبب المعارضة القوية التي لم تقتصر هذه المرة على النسويات؛ بل وتجاوزتهن إلى شرائح واسعة من الشعب والمنظمات الحقوقية داخل العراق وخارجه، بالإضافة إلى المنظمات الدولية مثل « هيومان رايتس ووتش».

نصت المسودة على مواد يرى الكثيرون أنها عَبَّدَت الطريق لممارسات « داعش» فيما بعد، ومن بينها أن يكون سن الزواج للفتاة هو التاسعة وللفتى 15 أو أقل، بموافقة الوصي. وشرعنة تعدد الزوجات، وتوفير الإرشادات العملية حول تقسيم قضاء الليالي بين أربع زوجات، كما لا يحق للمسلم الزواج الدائم من غير المسلمة، مما يعني أن للرجل الحق في الزواج المؤقت، أو «زواج المتعة»، والذي يتم عادة بحضور رجل دين يصادق على مدته التي تتراوح ما بين بضع دقائق إلى سنوات، ويتم دفع مبلغ معين إلى المرأة، بينما ينال رجل الدين العمولة. وتنص إحدى المواد على حرمان المرأة من النفقة إذا لم يتمكن الرجل من الاستمتاع بها إذا كانت مسنة أو صغيرة جدًا.

وها هي الرغبة بإجراء التعديلات تعود من قبل نفس الجهة، ولكن بصيغة أكثر ذكاء من سابقتيها حيث طُمست التفاصيل المباشرة المثيرة للاحتجاجات الغاضبة، مثل تحديد سن الزواج بطفلة، بتشريع عام يحتمل كل ما أُريد تنفيذه سابقًا.

“يواجه التصويت على مقترح التعديلات -كما المرة السابقة- صرخات احتجاج من منظمات حقوق المرأة”

صَوَت البرلمان يوم 31/10/2017 على مقترح قانون التعديل، ولم يتطلب الأمر أكثر من دقائق لحصول الموافقة، إذ قال رئيس الجلسة سليم الجبوري «هذا الموضوع ناقشناه، لا يوجد داع مرة ثانية أن نأتي بمن يؤيد وبمن يعارض؛ لأنه تم الاستماع إلى وجهات النظر بشكل كامل». كان الاعتراض الوحيد حول عدم اكتمال النصاب؛ فقال الجبوري: «ما هو وجه الاعتراض؟ احسبوا العدد، أنتم موجودون وليس خارجين، لا تخرجوا، صوتوا وأنتم موجودون؛ لأنه جرى فيه نقاش سابق، سوف أُعيد الفقرات السابقة وأُعلمكم أن هذا الموضوع تم النقاش فيه بشكل كامل، أصلًا أنتِ لم تكوني موجودة، الآن دخلت». وهي لقطة تُرينا طريقة التصويت على قوانين وتشريعات تهدف إلى تغيير حياة المواطنين، وتركيبة الأسرة والمجتمع، فيما يسمى « البرلمان»، بشكل « ديمقراطي» تم تصنيعه خصيصًا لبلدان العام الثالث، المحكومة من قبل حفنة من التابعين المأجورين، إما بشكل مباشر أو غير مباشر.

يواجه التصويت على مقترح التعديلات -كما المرة السابقة- صرخات احتجاج من منظمات حقوق المرأة، وخروج مظاهرات نسائية ضده، وحملات على مواقع التواصل الاجتماعي بمشاركة عدد من نواب البرلمان. باعتبار أن قانون الأحوال الشخصية المعدل يتعارض مع المواد الدستورية التي «تحفظ للمرأة كرامتها وتحفظ للمواطن حقوقه من منطلق إنسانيته وتحافظ على هويته الوطنية»، على الرغم من معرفة الجميع بطائفية وهزالة الدستور.

فما هي التعديلات المقترحة؟ أهم تعديلين هما عن السماح للمسلمين بتقديم طلب إلى محكمة الأحوال الشخصية المختصة، لتطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية وفق المذهب الذي يتبعونه، وبالتزام المحكمة المختصة « بإتباع ما يصدر عن المجمع العلمي في ديوان الوقف الشيعي، والمجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السني، وتبعًا لمذهب الزوج»، كما «يلتزم المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي بإجابة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقًا للمشهور من الفقه الشيعي وفتاوى الفقهاء الأعلام، وعند عدم الشهرة يؤخذ برأي (المرجع الديني الأعلى) الذي يرجع إليه في التقليد أكثر الشيعة في العراق من فقهاء النجف الأشرف. د. يلتزم المجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السني بإجابة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقًا للمشهور من الفقه السني».

أي: -باختصار شديد- نقل صلاحيات اتخاذ القرار بصدد الأحوال الشخصية، وهي جوهر وأساس الحرية الشخصية من المحكمة المدنية، وهو المعمول به حسب قانون 188، إلى رجال الدين على اختلاف تدرجات فهمهم و«فقههم» و «مرجعيتهم»، وتمريرها من جهة إلى أخرى طلبًا « للاستيضاح»، وما سيفرض من هيمنة وتكريس للطائفية المقيتة المستهدفة لوحدة العائلة، خاصة مع تخصيص العمل بمذهب الزوج.

تماثل اقتراحات التعديل الجديد التي تجنبت فخ التفاصيل الملزمة قانونيا مفهوم «التقية» المعلنة لغير ما هو باطني، مما أربك حملة المعترضين عليه، خاصة عند استخدام شعار زواج القاصرات وهو -في الحقيقة- غير مذكور صراحة في المقترح الجديد الحامل باحتمالات تأويلية مسيئة للمرأة بشكل مباشر وللعائلة والمجتمع، ويكفينا أن نراجع مسار حكم الأحزاب الطائفية وتجربة العيش في ظل « فقهاء» الدين، وارتباطهم بساسة الفساد المادي والديني والأخلاقي، خلال الأربعة عشر عامًا الأخيرة، حتى نفهم مدى الغضب والذعر الذي يثيره إصدار تشريع يُخولهم اتخاذ قرارات حياتية مصيرية تمس حياة الجميع وحريتهم، وخاصة المرأة، مهما كان لون العمامة سوداء كانت أم بيضاء، فالعقلية المُغَلفة بها أو المستفيدة منها من دون ارتدائها، أخطر وأعمق بكثير من ظاهرها، وهذا ما يستحق النضال ضده من قبل الجميع.

المصدر:القدس العربي

تعليقات