الإثنين 18 ديسمبر 2017 | بغداد 20° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

تائه من المريخ !

تائه من المريخ !

هبطت على أرضكم مصادفة، ولا أعرف كيف؟ وأريد التواصل معكم، أنا تائه من كوكب أحمر يدعى المريخ، سأحدثكم عن بلادي، أنا من بلاد إذا تكلم فيها الشريف نفَوه وإن أبى أقاموا عليه الحد، هناك صبغة في أرضي تدعى ألواناً في حب السلاطين، تكسى بها جلود المنتفعين وغير المنتفعين، فحتى أولئك الذين اعتنقوا الصمت يُصبغون حتى تكاد لا تميز قومي من بين السكان في عالمنا.
هناك الحديث يدور حول ما يقوله المذياع، فإن غزا القائد يغزون وإن حزن يبكون وإن ابتسم يقهقهون ودون موز يفعلون ما يؤمرون، الشباب شكلهم واحد، حالقين للشارب وراسمين للحاجب، سراويلهم ممزقة وعن أسفل ظهورهم منزلقة، ترى رؤوسهم كالديكة، وكأن ريح شباط المثلجة قست على خدودهم الوردية، يمارس القوم طقوسهم كما يشاؤون وبلا شفقة لأجسادهم يقطّعون، لأجل الحسين بعضهم، وباسم الرفاعي آخرون، يُخيَّل للقوم أن هذه تضحيات وأنها من عماد الدين، والآلاف بأرضهم في الخيم نازحون، وللشعاب ساكنون، ماتت خديجتهم وغادرت روح عجوزهم إلى عليين، حيث يسكن الحسين والأصحاب الطاهرون، فمالهم كيف يحكمون!

“الشمس هناك حارقة، أما سمعتم عن نار بلدي؟ فما بالكم بجسدي المرمي بين الركام؟”

في بلادي أبيدت المدن وطمرت العائلات تحت السقوف، بعضهم وفرت عليهم النار والحجارة عناء الانتظار للنجاة، فأزهقت أرواحهم دون انتظار، وآخرون.. آه على هؤلاء، أراهم كل يوم في يقظتي، أرى الحجارة فوق جسدي وتكبل يدي، حيث لا أستطيع إزالة الغبار من على جفني، ولا أنا بقادر على رفعها من فوق أضلعي، الشمس هناك حارقة، أما سمعتم عن نار بلدي؟ فما بالكم بجسدي المرمي بين الركام؟
أخاف الظلمة والعتمة وانقطاع الهواء عنّي، لذلك لم أستطع وضع نفسي مكان ذاك الأب الذي يرى أطفاله وأمهم حبيبته تلك التي عاهدها على أن يكون معها وإن وقف الزمان ضدها، لا نور يرَون ولا أنفاس يستنشقون، أيام وأسابيع في سرداب البيت القديم، نفد الأكل والماء والهواء ولم يتبق شيء سوى البكاء، الدعاء يا رب الدعاء.
هل فعلاً انتهى كل شيء؟ هل تخلى عنا القوم؟ اصبروا سيأتون، سيأتي يا ابنتي الشرطي والطبيب والجندي والمسؤول، سيأتي كل من تغنيت بهم في مدرستك، سيأتي يا ولدي أبناء عمك الأشاوس. أما تذكر أني حدثتك عن العشيرة والوطن، أتذكر إمام مسجدنا عندما قال المسلمون إخوة؟ اصبري يا حبيبتي سيأتي من انتخبناه وأصواتنا أعطيناه، سيأتي كل أولئك يا أحبتي، لن يسكت الإعلام سيبقى يرسل الرسائل وسوف نخرج من هنا وتصبح هذه الأيام من الماضي، لنستمر بالدعاء.. وحتى الآن لم يخرجوا بقوا تحت الركام، هذا إن بقي منهم شيء، وهذه صورة من صور بلادي.
لا يغرنّكم الحديث عن الحضارة، فتلك أمة قد خلت، لا نصنع الآن سوى الأكل وهذا لا ينطبق على الأواني، حتى آلات الموت نستوردها ولم نتعلم من الغربان حتى دفن موتانا، لا نعرف الطرب ونهرج كثيرا، نتقافز أمام المسؤولين دون أن نفقه عن ماذا هم مسؤولون، ففي بلادي هناك كثير من المسؤولين، بعضهم مسؤول عن السرقة وعن القتل آخرون، ويمكنكم رؤية كثير من المسؤولين عن تدمير الدين والعقول، وهؤلاء من حوّلوا القوم إلى قطيع، تخيلوا أنهم يكلمونهم من وراء حجاب! ولا يمكن رؤيتهم لأنهم أوصدوا الأبواب، ورغم ذلك يُتبعون!

“لا أخفيكم سراً فعالمنا لا يقل عنا إجراماً ويرحب بكل سفاح كبير ويقتص من أولئك الضعاف المسالمين”

العلم في بلادي ضائع ونكتفي بقراءة الطالع، نُبتَز من ملتحٍ وحالق، ونُصدق كل ما يقولون، إذا ما سنحت فرصة نحرق مدننا، ونسرق محتواها، كل ذلك بأمر واحد، فإن قال لنا القائد: قتال نُقاتل، وإن جنح للسلم نجنح، إذا ما أشار إلى قرية أو مدينة يصبح كل واحد منا هولاكو، فنحرق ونفجر بنيانهم، وننحر مسكينهم ونغتصب ما نشاء، حتى الماعز والشاة ننتهك حقوقها، وكل ذلك وفق قانوننا وديننا الذي نختار، ففي بلادي افعل ما تشاء، لكنْ باسم الإله الممثل بشخص الزعيم.
ولأننا نفعل الأفاعيل ضمن القانون والدستور، نحظى بتأييد عالمنا ونُعد مثالاً يحتذى به، لا أخفيكم سراً فعالمنا لا يقل عنا إجراماً ويرحب بكل سفاح كبير ويقتص من أولئك الضعاف المسالمين، حيث لا تُخمد عندنا نار الأخاديد، لا أريد الإطالة، فالحديث عن بلادي يطول، وسيأتيكم يوماً ممثل عنا ليحدثكم عن عالمنا، حيث شهونةُ المنطق ويجلب في جعبته أسراراً خفية لم تروها، كالمارد الذي يخرج من عنق الزجاجة فيهشم المنطق بسبب كونفشيوسية إلا منطق، ربما سيصعب عليكم فهم ذلك، لكن بإمكاننا نقل تجربتنا الناجحة كما يرى زعماؤكم، وتعيشون كما نعيش أو كما شاركتم بنجاح تجربتنا من خلال دعمكم ورحلاتكم ذهابا وإيابا إلينا، ستكون أجسادنا متناثرة في كل مكان تنتظر إفراغ حبكم علينا في كوكبنا الأحمر، فنطمئنّ لأنكم سعداء.

المصدر:الجزيرة نت

تعليقات