الإثنين 18 ديسمبر 2017 | بغداد 20° C
yaqein.net
الرئيسية » أزمة النازحين في العراق »

النازحون هل تكفيهم الحماية القانونية؟

النازحون هل تكفيهم الحماية القانونية؟

النزاعات المسلحة والتوتر السياسي والكوارث الطبيعية التي قد تصيب أي بلد، تكون سبباً في حركة انتقالية إجبارية للسكان، ترغم هذه الفئة الضعيفة من المواطنين على ترك منازلهم وحياتهم إلى مكان آخر قد يكون داخل حدود بلدانهم أو خارجها، ليعيشوا في حالة من عدم الاتزان والفرار من العنف والاضطهاد، لتظهر مشكلة ترافق رحلة نزوحهم إلى حين عودتهم إلى ديارهم، هي مشكلة حقوقهم وحرياتهم التي يجب أن تصان في شكل قانوني من جانب حكوماتهم والمجتمع الدولي، فما هو دور التشريعات القانونية في حماية حقوق النازحين داخلياً؟

النزوح هو ترك الشخص منطقته ليستقر في مكان آخر، وهو نوعان، فإما أن يكون نزوحاً خارجياً عبر الحدود الدولية من بلد إلى آخر بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية أو لأسباب اقتصادية أو معيشية، وفي هذه الحالة يسمى النازح بـ «اللاجئ»، والنوع الثاني منه يتمثل في النزوح الداخلي أو التهجير القسري، أي ضمن إقليم الدولة الواحدة، وهو في هذه الحالة «نازح» أو «مهجّر» أو مشرّد داخلياً».

وتعرّف الأمم المتحدة النازحين داخلياً، في دليل المبادئ الخاص بالنزوح الداخلي، بأنهم «مجموعة من الأشخاص يرغمون على مغادرة منازلهم في مناطقهم الأصلية لغرض تفادي تأثيرات نزاع مسلح أو نتيجة الكوارث الطبيعية، كل ذلك بشرط عدم عبورهم الحدود الدولية إلى دولة أخرى».

اللاجئ والنازح داخلياً كلاهما خرج من دياره مجبراً. قد تكون الأسباب واحدة، لكن الفرق بين الاثنين شاسع من حيث المركز القانوني لكليهما بعد النزوح في المجتمع الدولي، فاللاجئون لهم القوانين الدولية التي تحمي حقوقهم أينما حلوا، ويتوافر لهم، فور وصولهم، المأوى الآمن والغذاء، حيث تعمل المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الخاصة بالعمل الإنساني، لمساعدتهم في بدء حياة جديدة في بلدان الهجرة. أما النازحون داخلياً، فأمرهم مختلف تماماً، فهم لا يشكلون فئة قانونية مميزة، أو بنزوحهم يخلقون لهم وضعاً قانونياً جديداً داخل دولهم، ما يحرمهم من أي حماية يدعمهم بها القانون الدولي باتفاقات أو معاهدات دولية خاصة بهم، إلا أنهم من حيث المبدأ يخضعون لحماية قوانينهم الوطنية في حالة السلم كمدنيين، وفي حالة النزاع المسلح يكونون تحت حماية قانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني بصفتهم مدنيين أيضاً مع مراعاة حالة النزوح.

“غالبية الدول ومنظمات إنسانية كثيرة تصعب عليها معرفة ما هي القواعد التي يجب تطبيقها في حال نزوح مواطنيها نزوحاً قسرياً”

فالنازح داخلياً هو مواطن عادي من رعايا دولته التي تتكفل برعاية جميع حقوقه وحرياته، من حق المشاركة في الحياة السياسية إلى حق التعليم والصحة، مروراً بحقه في حرية التعبير عن رأيه، والحق بالعدالة والمساواة أمام القضاء، وغيرها من الحقوق المكفولة بموجب القواعد الدستورية، فهو يتمتع بالحماية الكاملة للقانون الوطني من دون أي تمييز ناتج من نزوحه، وإن كانت تضاف على عاتق حكومته حقوق إضافية خاصة ناتجة من حالة النزوح القسري، فعليها توفير المأوى والغذاء والخدمات الصحية والعمل، والسماح له بالمشاركة في الانتخابات التي قد تحصل في البلد أثناء النزوح وتجهيز مراكز خاصة للمشاركة في الحياة السياسية، والعمل على تأمين مناطقهم وفضّ النزاعات المسلحة فيها، وتنظيفها من مخلفات الحروب أو الكوارث التي حلت بها، وإعادتهم إلى حياتهم الطبيعية وما كانوا عليه قبل النزوح. هذه الحقوق ذكرها قانون حقوق الإنسان وأكدها، وهو يوفر أيضاً إلى جانب القوانين الوطنية للنازحين حماية لحقوقهم، لسريانه في وقت السلم وحالات النزاع المسلح على السواء، فهذا القانون يهدف إلى منع النزوح وفي حال حدوثه يعمل على كفالة الحقوق الأساسية للنازحين.

أما القانون الدولي الإنساني الذي يسري في حالات النزاع المسلح الدولي أو غير الدولي فيحمي هو الآخر حقوق النازحين داخلياً، فإذا كان النازحون داخل بلدهم موجودين في دولة هي طرف في نزاع مسلح فإنهم يعتبرون مدنيين ويحق لهم التمتع بالحماية المكفولة للمدنيين شرط ألا يكونوا مشاركين في الأعمال العدائية، وكذلك يحظّر القانون الدولي الإنساني إجبار المدنيين على ترك محل إقامتهم ما لم يكن ذلك ضرورياً لسلامتهم أو لضرورة عسكرية ملحة.

وعلى رغم ذلك، فإن غالبية الدول ومنظمات إنسانية كثيرة تصعب عليها معرفة ماهية القواعد التي يجب تطبيقها في حال نزوح مواطنيها نزوحاً قسرياً، وما زال عدد كبير من النازحين في بلدانهم يعانون من ضياع حقوقهم وحرياتهم وإهمال حكوماتهم لوضعهم الإنساني.

لقد بلغ عدد النازحين داخل حدود بلدانهم 26 مليون شخص بسبب النزاعات المسلحة، وأكثر من 50 مليوناً بسبب الكوارث الطبيعية، الأمر الذي دفع الى ظهور المبادئ التوجيهية المستوحاة من قواعد القانونين (القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني)، وهي إرشادات جمعت لتفسير القانون وتطبيقه خلال رحلة النزوح الداخلي وتضمنت 30 مبدأ أهمها:

– تأكيد حقوق وضمانات رئيسية لها صلة مباشرة بحماية الأفراد في مواجهة النزوح القسري، وحماية النازحين خلال فترة النزوح وأثناء عودتهم أو إعادة إدماجهم في المجتمع.

– حماية حقوق النساء والأطفال في ما يتعلق بتلقي النساء الرعاية الصحية وتعليم الأطفال النازحين وعدم تجنيدهم في النزاعات المسلحة.

– إلزام حكومات دول النازحين بضرورة تأمين عودتهم من خلال تأمين بيئة آمنة وسليمة للعيش وضمان حصولهم على ممتلكاتهم ومعالجة جميع المشاكل القانونية التي نشأت نتيجة نزوحهم، كمشكلة الاستيلاء على منازلهم، وغيرها من المواضيع المتعلقة بحقوق وحريات النازحين داخلياً.

إن ارتفاع عدد النازحين في جميع دول العالم بأسبابها المختلفة، وتزايد وعي المجتمع الدولي للمشاكل التي تعاني منها هذه الفئة المستضعفة، أديا إلى السعي الى إنشاء اتفاقات ومبادئ وتوجيهات خاصة بحماية حقوق النازحين داخلياً، لكن هذه الاتفاقات والمبادئ لا يمكن تطبيقها واعتبارها إلزامية إلا في حال تبنيها من حكومات الدول ودمجها ضمن قواعدها الدستورية لتكسب صفة الإلزام القانوني.

المصدر:جريدة الحياة

تعليقات