الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 | بغداد 30° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

العراق الجامع والعراق القائم .. طلعت رميح

العراق الجامع والعراق القائم .. طلعت رميح

تحل ذكرى انطلاق مبادرة العراق الجامع، فيما العراق يعيد طرح ازمته  ويعيد التشديد على ان لا خلاص له ولا عودة لنفسه ولاهله الا باعتماد رؤية الخبرة الصافية التى طرحتها هيئة علماء المسلمين .واذ كل اطراف العملية السياسية منخرطون فى اثبات ارتباطهم بالمحتلين الايرانيين والامريكان ،وفى تقديم الشهادات الحية بانفسهم على فشلهم وفسادهم –جماعة جماعة وفردا فردا-فضلا عن ما يقترفوه من جرائم تخريب مجتمعى وفكرى واقتصادى وانسانى بين ربوع العراق ،فالاهم ان الشعب العراقى يواصل انخراطه فى البحث، بل هو يواصل بحركته تجسيد خطة الانقاذ الوطنى ،اذ تتواصل موجات رفضه للاحتلال وما جاء به من عملية سياسية تقتل وتدمر وتفتك بالمواطنين ومقدرات الوطن .

يظهر العراقيون انخراطهم فى المواجهة رغم القمع الذى لا سابق له ،والمعارك الوهمية المفروضة على المجتمع لتغييب الوعى وجر المواطنين للانخراط الشامل فى تدمير الوطن.ويظهر العراقيون اصرارهم على العودة بوطنهم الى ثوابته الحضارية والوطنية عبر موجات المظاهرات والثورات السلمية .وهنا يظهر مدى دقة وصحة الادراك الاستراتيجى لهيئة علماء المسلمين فى مبادرتها العراق الجامع ،اذ جوهرها الاستراتيجى ،كان ولا يزال متمثلا فى المراهنة على الشعب ونخبه الواعية وقواه المجتمعية الحية الرافضة والمقاومة للانخراط فى مشروع الاحتلال بتجلياته وتعرجاته وتقلباته . وكان لا يزال متمثلا فى البحث عبر الحوار عن تجسيد محددات التوافق والاتفاق التى يجسدها الحراك الشعبى فى نهاية المطاف .

لقد تميزت هيئة علماء المسلمين فى العراق ،بالقدرة على تقديم رؤى سياسية واعلامية واستراتيجية متسقة مع الرؤية العقائدية ومتماهية مع خلاصات الخبرة الانسانية التاريخية للامة ومختلف الشعوب والامم،ومع التطورات والتغييرات العلمية الحديثة وذلك كله بالارتباط مع قراءة الواقع وتحديد زواياه الايجابية والسلبية ايضا،وتلك احد اهم مجالات تحقيق الاستقلال الحضارى الذى هو العنوان الواعى لمواجهة اعمال الاحتلال والتفكيك التى تستهدفها اعمال الاحتلال الاستعمارى فى المرحلة الراهنه .لقد سادت فى المنطقة العربية ،وضعية ردود الفعل العفوية على الاعمال الشعبية- السياسية والاعلامية- المواجهة لحالات الاحتلال الاجنبى .وهى وضعية لم تختلف كثيرا عن حالات التفكير غير الواعى الذى سيطر على نشاط المؤسسات الرسمية فى المنطقة اذ جرى اعتماد انماط الفكر والرؤى الغربية للتفكير الاستراتيجى عند وضع الخطط الاستراتيجية-ان جاز وصفها بذلك-دون ادراك لحواكم البعد الحضارى فى تحديد اهداف وغايات الاستراتيجيات العليا ولقواعد العمل لانفاذ الاستراتيجيات.تلك الطريقة افقدتنا معالم القدرة على المواجهة لانماط تفوق الخصم-العدو،وجعلت حركة النظم منعزله عن اطرها الحضارية والمجتمعية.وبطريقة اخرى ،فان للاستراتيجيات بعد عقائدى (ايديولوجى-ليبرالى او علمانى او وطنى ..الخ )لا تخرج عنه الاهداف العليا والنهائية ،بل يمتد اثره الى القواعد الحاكمة للمستويات المختلفة للخطط ،بل حتى الوسائل المعتمدة ،سلما او حربا بوسائل القوة الناعمة او الادوات الصلبة .

لقد احدثت الهيئة حالة انتقال حقيقية فى التفكير منذ نشاتها وخلال دورها وتجربتها فى مواجهة الاحتلال،او ان هيئة علماء المسلمين قد جددت فى تعاطيها مع وقائع العراق الدموية او مع قضايا الاحتلال الامريكى منه والايرانى وفى اطروحاتها للحلول الاستراتيجية للعراق المازوم ،دون الخروج على الثوابت ،التى هى المعطى القادر على تحقيق الحشد والتعبئة وحفز الطاقات المجتمعية وتوحيدها وتحقيق تمايز القدرة على المواجهة.هى لم تذهب فى ذات الطريق الذى ذهب اليه من قاموا بردود فعل عفوية ،وهى لم تذهب الى ما ذهب اليه من صاروا ينطقون العربية فيما هم يعتمدون اسسا غربية فى التفكير،وهى لم تقف ساكته او ساكنه امام التقدم فى العلوم السياسية والاستراتيجية لتسقط فى فخ العفوية او استدعاء الخبرة العفوية للماضى،بل جددت وفق المستجد دون الخروج على المضامين العامه للثوابت .وهو ما منحها القدرة على التفكير المستقبلى الصحيح والمنتج.

لقد جسدت الهيئة تجربة جديدة ،حين دعمت المقاومة للمحتل ضمن ضوابط شرعية ،فلا هى اباحت قتل المدنيين تحت عنوان مواجهة المواطنين المتعاونين مع الاحتلال ،بل هى من وقفت منتصبة القامة تحذر من الساعين الى الفتنة والحرب الاهلية متحملة الاذى والابعاد وتقديم الشهداء دون ان تدفع ولو مره واحده لاعمال انتقامية ردا على ذلك.وهى تمكنت من تشكيل سبيكه فكرية رفيعة المستوى دقيقة التشكيل للعلاقة بين الوطنى –بمتطلباته-والعربى بابعاده والاسلامى بكلياته وثوابته .

وحين قدمت الهيئة مشروع العراق الجامع لم تحفظ وتحافظ فقط على هذا البعد العقائدى كاطار منهجى ومرجعى اعلى لكل بنود المشروع ،بل هى اعتمدت الية الحوار الوطنى لانضاج التوافقات والاتفاقات والخطط والاستراتيجيات ،وبذلك ابرزت الطريقة الصحيحه للتعامل مع المعطيات القائمة فى العراق التى يعتمد فيها الخصوم والاعداء استراتيجية التفكيك والاقتتال الاهلى والتقسيم الدينى والمذهبى والجهوى والمناطقى..الخ.

كان التوقيت مهما فى طرح المبادرة التى شكلت اطارا مستقبليا للحركة الوطنية والمجتمعية العراقية ،لكن المضمون كان الاهم .وهى انطلقت من تقدير استراتيجى عام بان الحوار هو اهم معطيات الوضع الراهن .فعند قراءتها للوضع العام رات عوامل الاضطراب والتشرزم والاختلاف والفتن والصراعات والتدخلات والوجود الخارجى طاغيا ،فاختارت ان تطرح مبادرة يجرى العمل عليها وفق الحوار.وهى اختارت ان تحدد موقفها فى الثوابت العامه والمرجعيات التى لا يختلف عليها اى من “الوطنيين ” فى ضوء اتصالات وحوارات مع الفاعلين الوطنيين من مختلف الاطياف السياسية والمجتمعية ،تاركة للحوار انضاج المشروع والخطط والاستراتيجيات .وهى لم تنطلق فى صياغة وطرح المبادرة من فكرها وقراءتها هى فقط -لاوضاع العراق -بل كذلك ،مما ترسخ لديها  خلال لقاءات مع مختلف القوى الرافضة للاحتلال.اعتتمدت الهيئة منهجية استراتيجية صحيحة ،اذ انطلقت من الثوابت ومن قراءة واقع الصراع بكافة ابعاده .ولذا كانت وتظل المبادرة عنوانا لمستقبل العراق القادم ،انطلاقا مما عليه حال العراق القائم .

يقين نت

ب ر

تعليقات