الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 | بغداد 8° C
yaqein.net
الرئيسية » أقلام وآراء »

وسقط وزير الدفاع العراقي.... د. مثنى عبدالله

وسقط وزير الدفاع العراقي…. د. مثنى عبدالله

بعد أخذ ورد ومماطلات وتسويف ومحاولات عقد صفقات لإنقاذ شرف الفساد، الذي قيل بأن وزير الدفاع قد خدشه، حين فضح في استجواب البرلمان جشع سُنة العملية السياسية، الذين ساوموه على طعام جنود الجيش العراقي كي تمتلئ أمعاؤهم، وعلى سيارات الهمر العسكرية كي يزيد سعرها من 36 مليون إلى 340 مليون دولار، بغية استخدام فرق السعر في جمع الأنصار والجمهور لكتلهم السياسية.

وحين شهّر بتقوى شيعة العملية السياسية، الذين لم يطلبوا منه سوى بضع تعيينات في الجيش، ومنح ترقيات ورتب عسكرية لاحبائهم وأقربائهم، وحين لم يُقنع النواب بأجوبته حول تحول نجله إلى وسيط بالعمولة، لعقد صفقات تجارية مع شركات أجنبية، ولم يوضح لماذا يستخدم طيران الجيش في الذهاب والعودة من وإلى بيته خارج بغداد. بعد كل ذلك عقد مجلس النواب حفلته المعتادة وصوت بسحب الثقة من وزير الدفاع، ضاربين عرض الحائط تحذيرات بعض الكتل من أن إقالته ستدفع تنظيم الدولة إلى تعزيز تواجده وسيطرته، وأن القوات العسكرية ستنهار نفسيا، لأن الرجل هو من يمثلهم على حد زعمهم.

كما ذهبت أدراج الرياح مسيرات مشيخة عشيرته، التي كانت قد رفعت لافتات تحذر من أن إقالته خط أحمر، وذهبت سدى أهازيج شباب الكاظمية في بغداد، «علي وياك علي»، حين استقبلوه في زيارته للحي بعد واقعة جلسة الاستجواب. نعم ذهبت كل تلك الجهود والأموال التي صُرفت على الفضائيات، كي يلمعوا صورة الرجل ويسودوا صورة من يحاولون إقالته، وبات السؤال الكبير في الشارع من أفسد ممن؟

فإذا كان الوزير قد سقط بتهم الفساد، فلماذا رئيس البرلمان الذي اتهمه الوزير بفساد أكبر، يُستقبل في المحكمة العليا بالأحضان والقُبل والتحايا العسكرية، ثم تسقط عنه جميع التهم بجلسة استغرقت 40 دقيقة؟ هل نحن في مشهد من مسرحية «كاسك يا وطن» السورية القديمة، حين يظهر الدرهم الذي يبلعه الضعيف بالفحص الشعاعي، بينما الملايين التي يبتلعها المسؤول القوي لا تظهر؟ أم أننا أمام حواضن هي التي تُسقط هذا وتُنجي ذاك؟ نعم هو كذلك. فوزير الدفاع حاضنته هي كتلته السياسية الطائفية التي فتح النار عليها بتهم الفساد، وهي كتلة رخوة، أما رئيس البرلمان فلا يعتمد في وجوده في المنصب على كتلته السياسية الطائفية، بل على التحالف القائم بين حزبي الدعوة والإسلامي العراقي الذي ينتمي إليه، والذي معادلته قامت على دعم الحزب الإسلامي لولاية ثالثة لنوري المالكي الأمين العام لحزب الدعوة، مقابل إعطاء سليم الجبوري رئاسة مجلس النواب. كما أن حرص الأخير على تقديم الولاء والاسترضاء للجانب الإيراني، وزياراته المتكرره إلى طهران التي كان آخرها قبل أقل من أسبوعين، تعطي الأذرع الإيرانية المشاركة في العملية السياسية، مؤشرا إلى أن صانع قرارهم السياسي في طهران راض عن الرجل، وبالتالي يصبح من الضروري عدم وضع العصي في طريقه، وإثارة المشاكل السياسية في وجهه، من قبل أطراف البيت السياسي الشيعي.

ربما كانت نية وزير الدفاع المُقال سليمة مخلصة حين صدّق نفسه بأنه وزير فعلا في دولة ذات سيادة وعلم ودستور ومجلس برلمان، وأراد أن يفضح الفاسدين الذين أتوا به إلى الاستجواب البرلماني، ففتح النار عليهم قبل أن يردوه قتيل المنصب. لكن يبدو أن الرجل لم يكن يعلم أن السلطة الحقيقية ليست في السيرك الذي جلس أمام مهرجيه كي يُستجوّب، بل السلطة موجودة في كل مكان خارج الدولة، وأن البرلمان هو مجرد شكل خارجي للدولة لا أكثر. فزعماء الكتل هم السلطة الحقيقية، أما الوزراء والنواب فهم مجرد وكلاء لزعماء الكتل، يرسلونهم لتسلم الحقائب الوزارية والمناصب البرلمانية كمندوبين عنهم، وأن كل التحركات التي تجري والاستجوابات التي تُنظّم، إنما الهدف منها ليس تغيير الواقع وكشف الفساد والمفسدين، بل هي تحركات سياسية من أجل إعادة تركيز السلطة السيادية بين هذا الطرف أو ذاك. وعليه فقد كان الأولى به أن ينظر إلى نفسه أولا ويرى دوره ويتحرك وفق ذلك. ولأن دوره، كما يقول هو، لا يستطيع تحريك جندي من مكانه في المعركة، وأن قيادة المعارك ليست من صلاحياته، بل من صلاحيات قادة عمليات المحافظات، المرتبطين مباشرة برئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، وأن كل واجباته هي توفير الدعم اللوجستي للقطعات وتوقيع عقود التجهيز، إذن أما كان الأجدر به أن يستقيل من منصبه وأن لا يرضى بلعب دور الدمية، أو أن يختار أضعف الايمان فيصمت؟ أم أن الرجل قرأ المشهد بصورة مقلوبة، وتصور أنه عندما يفتح النار على كتلته سيكون بطلا لدى شيعة السلطة فينقذونه؟

هنالك أزمة نظام، وأزمة حكم، وأزمة طوائف، وأزمة في الممارسة السياسية في هذا البلد. هنالك فعل انتقامي يسقط وزراء ونواب ورؤساء وزارات، ليس له علاقة أصلا بقضايا الوطن وسوف يبقى هذا الفعل مستمرا. هنالك اختزال للعمل السياسي بالحصول على منصب، بينما المناورات على المناصب واستخدامها لأغراض الفساد أفرغها من مضمونها، وباتت عبئا ثقيلا على الوطن والمواطن. حتى داخل البيت السياسي الطائفي الواحد، باتت هنالك صراعات من أجل الحقائب الوزارية، ولعل وزير الدفاع المقال أبرز مثل على ذلك، حيث كان هنالك صراع مستميت بين سُنة العملية السياسية، جناح أسامة النجيفي وجناح سليم الجبوري، حيث دافع الاول عن موقف الوزير لانه يتبع لهم، بينما حرص الاخير على سحب الثقة منه لانه لم يوفر لهم السيولة المالية، على حد قوله أولا، وثانيا لانه اتهمهم بالفساد، خاصة كبيرهم. لكن الغريب حقا أنه ولاول مرة يتوحد الفساد ويتخلى عن طائفيته السياسية، ويواجه من أراد به سوءا بصف واحد وموقف موحد، ويسددون له الضربة القاضية التي أسقطته أرضا، ولم نسمع اعتراضا من أحد عن عدم قانونية سحب الثقة، التي كان يجب أن تكون بأصوات النصف زائد واحد من عدد النواب، وليس من عدد النواب الحاضرين لجلسة سحب الثقة. ولم يقل أحد بأن جلسة التصويت السري كانت غير متعارف عليها، لأن سرية التصويت في هذه الحالة تسري فقط على سحب الثقة عن رئيس الجمهورية، أو رئيس السلطة التنفيذية، أو رئيس السلطة القضائية، وليس من بدرجة وزير. كما لم يعترض أحد على عدم إرسال ملف وزير الدفاع إلى القضاء للبت به كما جرى مع رئيس البرلمان.

ولماذا يرسلون القضية إلى القضاء؟ هل أتاكم حديث الصبي الذي سرق عُلب مناديل ورقية فحكمت عليه المحكمة بالسجن، بينما استغرقت جلسة التحقيق مع رئيس البرلمان فقط أربعين دقيقة وأغلق ملف الدعوى؟ نعم سرقة المناديل الورقية أخطر من سرقة المعدات العسكرية، بنظر القضاء العراقي في العراق الجديد. إننا نرى أن تركيز البرلمان على ملف الفساد هذه الفترة ليس خالصا لوجه العراقيين، بل هو ملف فتحته قوى أخرى تراجعت عن واجهة المشهد السياسي، وتريد بعثرة أوراقه الآن في وجوه الاخرين كي تعود وبقوة إلى المشهد.

يقين نت

ب ر

تعليقات