الخميس 16 أغسطس 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

ذاكرة الشعوب القصيرة، وشعارات السياسيين الانتخابية

ذاكرة الشعوب القصيرة، وشعارات السياسيين الانتخابية

منذُ احتلال العراق عام 2003م، وحتى يومنا هذا، مرّ شعبُنا الأبيُّ بفتنٍ ومصائبَ أنهكتْ قِوامَه، ونخرَتْ جسدَه، ومزّقت وحدَتَه، وتعرّض إلى حملاتِ إبادة بجميع أشكالها، على يدِ المحتلِّ، وعلى يد إيران، وأخيراً على يدِ من يدّعي أنّه من أبناءِ جِلدَتِنا.

حِيكت لهذا الشعب مؤامرات كثيرة، شارك فيها الصديقُ قبل العدوّ، والقريبُ قبل البعيد، وجرى على أيديهم أبشعُ أنواع القتل والتعذيب والتشريد والنزوح.

ونشهدُ في أيامنا هذه جدلا كبيراً، وسجالاتٍ كثيرة في مسألة الانتخابات التي عانى العراقيون منها ما عانَوهُ طيلة الأعوام السابقة، فهم لم ينسَوْا ما حَصَلَ لهم في الانتخابات السابقة، عرفوا أنّ من تصدّر للانتخاباتِ لمْ يفِ بوعدٍ واحدٍ من حزمةِ الوعودِ التي قطعها على نفسه، بل أصبحَ كالمنشارِ يُقطّعُ جسدَ هذا البلد، يغدو يسرق، ويُمسي يُشرّع لسرقة الغد، ففعَلَ فِعْلَ الأوّلين، وزادَ في أوجاعهم.

قد كانوا يتصدّرون بكلماتٍ لها تأثيرٌ على قَلْبِ السَّامِع أو الرّائي، يستغلُّونَ عواطفهم، ويتودّدُون إليهم، ويُشعرونَهُم بأنّهم مهتمّينَ بأحوالهم، مُتأسّفين على حالتهم، وكلّ ذلك إلى أنْ يُدلي من له حق التصويتِ بصوته لهم، وما أن تنتهي فترة الانتخابات تراهم منسلخين كما تنسلخ الأفعى من جِلدها الميّت.

وذلك ليسَ بغريب على أحد، ولا أظنُّ أنّه قد بقي من الناسِ منْ لا يعرفُ ذلك، لكن، هل الشعبُ يتذكّرُ شيئاً من تلك الكلمات والجُمل التي كانوا يستخدمونها كشعاراتٍ لهم أثناء نزولهم لساحة الانتخابات؟

“صار السياسيون ينطقُونَ بكلماتٍ فيها من الجسارةِ ما فيها، حتى أنّهم يقولون للناسِ على مرأى ومسمعٍ منهم: كلنا فاسدون”

كنتُ في البداية متردداً من طرحِي لهذا السؤال، لكنّه قد ثبت لي أنّ هؤلاءِ السياسيين إنّما يعتمدون بالدرجةِ الأولى على ذاكرة الشعوب والمجتمعات، فهي ضعيفةٌ إلى دَرَجَةٍ كبيرة، تكادُ لا تجدُ إلّا قليلاً منهم من يتذكرُ الشعاراتِ التي كان يرفعُها السياسيون أثناء حملاتهم الانتخابية، فهم لم يضعُوها ليُطبّقوها؛ وإنّما كانت لأغراض تصديق الناسِ لهم، ولكسبِ رضاهم.

فعلماء الاجتماع كـ “غوستاف لوبون” و”فرويد” يُثبتون ما ذهبتُ إليه في قولي أنّ ذاكرة الشعوب ضعيفة وقصيرة، فالسياسيون يستغلون تلك العواطف، والتي بدورها تتأثّرُ بأي شعارٍ جذّابٍ، وأي خطابٍ فيه عباراتٌ مقنعة، وسرعان ما تنسى وعودَ ذلك السياسي، فالعقل والحجج المنطقيّة لا تستطيعُ مجابهةَ بعضِ الكلمات وبعض الصيغ.

نعم، ذاكرة الشعوب ليست ذاكرة سميكة، تنسى سريعاً هذه الشعارات التي أطلقها هؤلاء السياسيون، ولكَ أنْ تسألَ من تعرف عن الشعارات الانتخابية. كم من شخصٍ يتذكّرُ تلك الشعارات؟

لم تأتِ تلك الكلمات عبثاً، إنّما تمّ اختيارها بدقة كبيرة؛ لتكون لها تأثيرها في نفوس الناسِ إلى حين انتهاء فترة الانتخابات.

ونتيجةً لذلك، وبعد وصولها إلى السلطة:

أصبحت تشرّع ما تحتاجُ إلى تشريعه في سبيل تغطيةِ أعمالها وفسادها، فصارت كبيت العنكبوتِ تصطادُ الحشرات الصغيرة، لكنّها تسمحُ للدبابير بالمرور.

وصار السياسيون ينطقُونَ بكلماتٍ فيها من الجسارةِ ما فيها، حتى أنّهم يقولون للناسِ على مرأى ومسمعٍ منهم: كلنا فاسدون، كلنا سُرّاق، كلّنا لا نصلحُ أنْ نقودَ العراق. ومع ذلك لا زالوا مهيمنين على خيرات البلاد، وليس ذلك فقط؛ بل إنّ المؤسسات والمرجعيّات الدينية قدّمت لهم دعمها الكامل طوال تلك السنين، والذي يُدمي القلبَ، ويندى له الجَبين أنّهم يصرّحون بذلك على المنابر، وأثناء محاضراتهم، فصاروا بعد ذلك يأتونَ بأفسدِ الناسِ، وأكثرهم شراً.

بل ويستهزؤون بعقول الناسِ، حتى أنّهم صاروا يغيّرون تسميات الأحزاب مع بقاء الوجوه نفسِها، رامينَ فسادهم على تلك التسميات، على أساسِ أنّ الفسادَ كلّهُ كان بسببِ تلكَ التسميات! فشكّلوا مئات الأحزاب، وكلُّ حزبٍ بما لديهم من مشروعٍ وخُططٍ لسرقة البلاد فَرِحُون.

ولم يكتفوا بذلك فقط، بل إنّهم أعطَوْا ممّا هو حقٌ للشعبِ لدولٍ أخرى، وتنازلوا عن أراضٍ وحقولِ نفطٍ لها، سعياً لإرضائها، وكسباً لوِدّها، في سبيل أنْ يجلسوا على كرسيِّ الحكمِ ما استطاعوا، فمن كان فقيراً أصبح من أغنياء العالم، ومن كان كلّاً على مولاه أينما يوجّهْهُ لا يأتِ بخير، أمسى يتحكّم.

“لو علم المسؤول في العراق أن هناك شعب لا ينسى الوعود الكاذبة ويحاسب الفاسد على فساده؛ ما تجرأ على قطع وعود كاذبة”

إنّ الواقع المرير الذي يعيشه الناس يحول دون تركيز الناسِ على هذه الشعارات في وقتنا الحالي، وليس ذلك إلّا بسبب هذه الطبقة السياسية التي غيّبت وعي المواطن، وجعلته يعيش حالة من اليأس والخوف، وانعدام الثقافة، لكنّهم أمسوا على يقينٍ أنّ ما تطلقه هذ الطبقة من شعاراتٍ لن تأخذَ مكانها في قلوبهم.

نعم، نعرفُ أنّ الإحباط الذي وصل إليه الناسُ قد بلغَ فيهم مبلغاً عظيماً، فما وصلَ إليه حالُ أهلنا النازحين في المخيّمات، والمخطوفين في سجون الميليشيات، وما رأيناه من ضياعِ مُدُنِ ومحافظاتِ أهل السُّنةِ، لَهوَ أمرٌ مُدبّرٌ بليل، قد باعَ من باع، واشترى من اشترى، وبِئس البائعُ والشاري.

ونعرفُ أنّ طريق الإصلاحِ والتغييرِ طويلة، تحتاجُ إلى غضبٍ جماهيريّ كبير، ومقاطعةٍ لهؤلاء المجرمين وعدم السماعِ والسماحِ لهمْ أن يتصدّروا الساحة، وإلى حِراكٍ يقوم على أساسِ بناءِ وطنٍ يَنْعَمُ بخيراتهِ، بعيداً عن أيدي المحتلين، فالحريُّة تُحَمِّلُ الأحرار أعباءً ثقيلة، وأحرار العراق أهلٌ لها.

وهنا أقول بأنّه على الشعب أنْ يُحاسب المسؤولين على الوعود التي أطلقوها، واستغلوا بها سرعة نسيانه لشعاراتهم الانتخابية، فقد رأينا نتيجة صبر الشعب على فساد الساسة في أوكرانيا عندما ألقوهم في حاويات القمامة،فليت لنا فيهم عبرة، ولو علم المسؤول في العراق أن هناك شعب لا ينسى الوعود الكاذبة ويحاسب الفاسد على فساده؛ ما تجرأ على قطع وعود كاذبة، لكن واقعنا يقول إن ذات الكاذب يكذب علينا مرة أخرى ونصدقه.

المصدر:الهيئة نت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات