الثلاثاء 22 أغسطس 2017 | بغداد 33° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

كواليس وسيناريوهات في إطار قانون "العفو العام"....جهاد بشير

كواليس وسيناريوهات في إطار قانون “العفو العام”….جهاد بشير

ليست مفارقة أن يتم التصويت على قانون “العفو العام” في مجلس النوّاب الحالي، بعد عودة سليم الجبوري من طهران مباشرة؛ شأنه شأن كل القرارات والقوانين ذات الأهمية أو ما يعتقد أنها صاحبة أثر بارز في الساحة العراقية.

وإذا كانت إيران قد حسمت المعركة التي نشبت مؤخرًا بين الجبوري وخالد العبيدي ـ وزير الدفاع المطرود ـ لصالح الأول، لمصلحة تقتضيها العملية السياسية؛ فإن هذا القانون يأتي في إطار تلميع فئة من سنّة العملية السياسية ممن جُربوا سابقًا في الرضوخ للإرادات الناجمة عن تحالف طهران وواشنطن ومصالحهما المشتركة، ومحاولة إعادة “الثقة” لهؤلاء في الساحة السنّية بعدما تنامت قناعة المجتمع السني ورسخت عندهم فكرة أن هؤلاء النماذج ليسوا إلا أدوات مستهلكة لا تقوى سوى على تنفيذ الأوامر بغية ضمان بقائها في إطار الصلاحية ومؤهلة للاستخدام، مقابل مكاسب فئوية وإن بدت حقيرة القدر وضئيلة الشأن؛ إلا أنها في معايير طلاب الدنيا وهواة الربض في القاع؛ مغانم كبرى وغايات ذات منتهى حتى لو جعلت كرامة أحدهم تبتذل في سبيلها.

ولما كانت العملية السياسية على شفا هاوية وتمر بمرحلة ليس لها من استطاعة للصمود لولا اتكاء ظهرها على جدران البيت الأبيض؛ فإن القائمين عليها يدركون جيدًا وجوب الاستمرار على ما هو عليه، ويؤمنون بأن إبقاء شخصيات معينة فيها يعد من مقتضيات مرحلتها الحالية على أقل تقدير لغاية ما ستسفر عنه الانتخابات الأميركية، ومن هناك كان لا بد من التضحية بكبش فداء من جهة وتلميع نجم مصطنع من جهة ثانية؛ لأن استقطاب وجوه سنيّة جديدة إلى العملية السياسية ـ وهو ما تسعى له الولايات المتحدة ـ  لا ينبغي أن يتم بصورة استبدال كامل، بل بشيء من التدرج والمخالطة بين السابقين واللاحقين، حتى يتم الانسجام ولا تتقاطع عملية تبادل الأقنعة مع أسسها وأركانها وأهدافها المرسومة.

أطيح بخالد العبيدي؛ لأن مرحلته انقضت ولم تعد له صلاحية أصلاً للإتيان بشيء جديد يخدم طهران، لاسيما بعد أن أدى المهمة وأوصل الرسالة المطلوبة التي أُخرِجت من خلالها أحزاب شيعية من دائرة الفساد، وأدخلت مكانها أحزاب سنيّة؛ لتبدو الصورة وفق توازنات معينة تريدها الولايات المتحدة وإيران ضمن مسارهما المصلحي المعروف، وخططهما في المنطقة، وكل ما يثار من الكلام الناقم ومواقف الاعتراض حول طرد وزير الدفاع مع اقتراب “معركة الموصل” ودور ذلك في “زعزعة المؤسسة العسكرية”؛ ليس إلا محض هراء؛ فإن الملف العسكري في عموم البلاد لا تملك وزارة الدفاع من أمره شيئًا، بل إن الجيش نفسه غير موثوق به لعدم أهليته، في وقت يتحالف التحالف الدولي مع الميليشيات ويتعاونان على إدارة المعارك، وهذا مقام يطول الكلام به وجدير أن يُفصّل بعناية.

وبالعودة لقانون “العفو العام”؛ فإنه لا يعدو أكثر من كونه حفنة رماد يُراد ذرّها في العيون، فضلاً عن جعله سببًا لإشغال الناس ردحًا من الزمن، بصناعة مساحة جديدة من الفوضى بشأن من يشلمه “العفو” ومن لا يستحقه؛ فإن التجارب السابقة في هذا الإطار إلى جانب المقاربات الموافرة على المشهد تؤكد أنه مجرد كذبة سافرة، بل إن الناظر لبنوده واستثناءاته يدرك بلا شك أن أحدًا من المعتقلين السنّة لن تشملهم شروطه، في ظل منظومة القضاء الحالية التي يغشاها الفساد من بين أيديها ومن خلفها، وتدار سياسيًا وطائفيًا بطرق معلنة يعقلها الجميع بمن فيهم تلك المنظمات التي تتشدق بحقوق الإنسان وتدعي رعايتها القانون الدولي.

أرادت طهران ـ بتفويض من واشنطن ـ تحقيق غايتين اثنتين من إبراز ظاهرة التصويت على “قانون العفو العام”؛ الأول دعم وجوه معينة من سنة العملية السياسية وإعطائهم زخمًا حضوريًا بإنجاز موهوم لعلهم يتمكنون من الضحك مجددًا على قاعدتهم الجماهيرية باستخدام حراكهم نحو إقرار القانون نعمة يمنون بها عليهم، وصك تصديق يطالبون من خلاله بإعادة انتخابهم، فإنهم خير من خدم وأفضل من انبطح، وعلى الرغم من أن الانتخابات ستنجز بالتزوير كما هو معلوم ومؤكد؛ إلا أن كسب الود الشعبي عامل مهم في صناعة أرضية للقبول بواقع الحال والمضي في طريق العملية السياسية لإتمام مشوارها دون معوّقات، ولتقطع الطرق على أية محاولة عملية لتطبيق المناهضة والمعارضة على غرار الاعتصامات والثورة التي تلتها، يُساعد في ذلك انضمام ثلة جديدة من المخدوعين واليائسين والطامعين إلى العملية السياسية، في توليفة عجيبة لا ينبغي لها أن تجتمع في الوضع الطبيعي، لكنها ستعمل على ذلك؛ لأن منطق العقلاء مستبعد من الطرح في أروقة العمل السياسي في منظومته الحالية بالعراق.

أمّا الغاية الأخرى من هذا القانون فتتلخص في تهدئة اللعب قليلاً وفك الضغط على الحكومة نتيجة الصراع بين مكونات البيت الشيعي نفسه، والذي بلغ حدًا لم يعد يخفى، وظهر جليًا بالدور الذي أنيط بتيار الصدر لممارسته، لاسيما وأن من المعلوم صراحة حرص الإدارة الأميركية على بقاء حكومة العبادي على قيد الحياة لحاجة المرحلة إليها بهذا الوضع، وتحت مظلة هذا القانون سيتم إخراج عدد من معتقلي التيار وتطبيق “العفو” عليهم، وإهداء مقتدى بعض المواقف ذات النوايا الحسنة بمقابل الرضوخ والتنازل عن مطالباته الفوضوية المتذبذبة عالية التشويش، وقد خبر المشهد العراقي التيار الصدري جيدًا طول العقد الماضي في تقلبه وتراجعه، فهو يرضى بمشاركة من يصفهم بالفاسدين في المساء رغم أنه كان يحرض أتباعه لشتمهم في النهار.

يقين نت

ب ر

تعليقات