الخميس 19 أكتوبر 2017 | بغداد 25° C
الرئيسية » أقلام وآراء »

هل يُكمل الحوثيون ما بدأته الميليشيات العراقية؟....د. مثنى عبدالله

هل يُكمل الحوثيون ما بدأته الميليشيات العراقية؟….د. مثنى عبدالله

زار وفد الحوثيين بغداد الأيام القليلة الماضية، وكانت لهم لقاءات كثيرة فيها، شملت مستويات رسمية ودينية وميليشياوية.

لكن اللقاء الأبرز والأهم كان مع وزير الخارجية العراقي، الذي حرص على أن يكون استقباله لهم رسميا. قد يكون الحوثيون بحاجة ماسة إلى الاستقبال الرسمي أكثر من غيره، لتعزيز تواجدهم على صعيد العلاقات الدولية في المحيط على الاقل، ولإظهار أنهم باتوا رقما صعبا وواقعيا في معادلة المنطقة، وليس في اليمن وحسب، وبالتالي فإن مطـاليبهم لا يمكن العبور من فوقها لحل الأزمة اليمنية.

كما لا يخفى على أحد أن رسالتهم الأهم التي أرادوا توجيهها من بغداد كانت للمملكة العربية السعودية، ومفادها أنهم قادرون على فتح جبهات أخرى ضد الرياض، خاصة أن العراق بات من المُصدّرين للميليشيات، ومُرحبّا بأي حرب طائفية يستعر أوارها في أي بقعة عربية. لكن أذا كان الوفد الحوثي يبحث عن الدعم السياسي أو المالي من الحكومة العراقية، فكان الأجدر به أن لا يزور بغداد لانها هي من بحاجة إلى ذلك، لان فاقد الشيء لايعطيه. فالخزينة خاوية والتوسلات بالبنك الدولي وصندوق النقد من أجل الحصول على قروض متوسطة وبعيدة الاجل متوالية. أما إذا كانت زيارتهم لطلب الدعم العسكري فكان من الافضل لهم أن يولّوا وجوههم شطر طهران، التي هي من تمولهم وتدربهم وتمول وتدرب الميليشيات العراقية أيضا.

في المقابل ما هي المكاسب السياسية التي يمكن أن يجنيها النظام العراقي من زيارة ميليشيات خارجة عن سلطة الدولة؟ وإذا كانت السياسة هي فن الممكن، فما هو الممكن من الاستقبال الرسمي لوفد الحوثيين في بغداد؟ قد تكون السلطات العراقية أرادت الاستثمار في موضوع الزيارة بالضد من السياسة السعودية خاصة والخليجية عامة، لكن هل هذه الخطوة جالبة للمصالح وتدرأ المفاسد في العراق؟ يقينا لا هذا ولا ذاك، لان منظومة العلاقات السياسية بين الدول قائمة على أساس تصنيفات في الحجوم والأدوار، أي أن حجم الدولة (س) ودورها الفاعل في السياسة الدولية أو الإقليمية، هو ليس حجم ودور الدولة (ص)، فبعض الدول تأثيرها الدولي والاقليمي يفوق أخرى، ولو كانت جميع الدول في مستوى تأثير فعل واحد، لما برزت الدول العظمى في الخط الاول، ولما برزت دول مجموعة العشرين مثلا. فكيف الحال إذا كانت مجرد ميليشيا كالحوثيين؟ هذه التصنيفات يستفيد منها رجال الدولة، لأن رجل الدولة هو من يسعى إلى الحصول على المكاسب لبلده بأقل الأثمان، أما رجال السياسة فهم من يدفعون بلدانهم إلى الهاوية من أجل مكاسب وقتية زائلة، والاستفزاز السياسي في مجال العلاقات الدولية غالبا ما يرتد على الدولة المستفزة، فيُعرّض مصالحها الوطنية وأمنها إلى المخاطر، خاصة عندما تكون الدولة الاخرى لديها وسائل تأثير أكبر في المحيط وعلى الصعيد الدولي. لذلك كان استقبال وزير الخارجية العراقي لوفد الحوثيين خطوة بائسة تماما، وتعبر بوضوح عن أمية الوعي السياسي لصاحب القرار، وقصر نظر وضحالة تفكير، وهو الذي تعانيه الدبلوماسية العراقية. فمهما كان الخلاف مستعرا مع دولة بوزن السعودية أو دول الخليج الاخرى، لا يمكن أن يجري التعويل على حركة ميليشياوية صغيرة بديلا عن هذه الدول.

كما أن وصف وزير الخارجية بإعلان الحوثيين لما يسمى (المجلس السياسي) بأنه خطوة صحيحة وموفقة، خطيئة سياسية كبرى، لأن المواقف الدولية رفضت ذلك رفضا قاطعا، واعتبرته تصعيدا متعمدا للازمة اليمنية من جانب الحوثيين. وإذا كان وزير الخارجية قد صرح بأن العراق (دوى بصوته في جامعة الدول العربية والامم المتحدة وكل المحافل والمؤتمرات الدولية، ورفض رفضا قاطعا التدخل العسكري في الساحة اليمنية لانها ستسهم في إراقة الدماء وتسهم في زعزعة الامن المجتمعي) على حد زعمه. إذن كيف يرحب ويشجع على خطوة أحادية من طرف واحد في اليمن هي المجلس السياسي؟ وإذا كان قد دوى بصوته برفض التدخل العسكري، الذي يقصد به السعودية ودول خليجية أخرى، إذن لماذا لا يدوي بصوته أيضا، فيرفض التسليح والتمويل والتدريب والتشجيع الايراني المستمر للحوثيين لمواصلة مشوارهم، والذي لو لم يكن موجودا لما استمرت الحرب الاهلية حتى اليوم؟

إن إصرار النظام العراقي على أن العراق لم يعد بلدا عربيا، يجري تأكيده يوميا في جميع الممارسات السياسية والأمنية والثقافية والاجتماعية، ولم يعد بحاجة إلى دليل يثبت ذلك بعد اليوم. كما أن إصرارهم على الانحياز إلى كل ما يمت للطائفية بصلة هو الآخر لم يعد بحاجة إلى دليل. فالرسالة البائسة التي أرادها النظام العراقي من حفل الاستقبال للحوثيين، هو أن العراق مازال في محور طهران، دمشق، بيروت، وأن المحور باق ويتمدد إلى صنعاء. لكن متى كانت الطائفية هي عماد العلاقات السياسية بين الدول؟ وهل التضامن الطائفي يمكن أن يكون بديلا عن التضامن العربي؟ أم هل العراق بحاجة إلى الحوثيين أكثر من حاجته إلى دول عربية لديها تأثير سياسي محيطي ودولي؟ وإذا كان الحوثيون قد تعهدوا للنظام العراقي بتسليمهم المئات من الخبراء العسكريين العراقيين المقيمين في اليمن، كما أشارت بعض المصادر إلى ذلك، فهذه ليست خطوة يمكن أن ترفع من شأن العراق أو من شأن السلطات الحاكمة. كما أنها ليست خطوة تعطي شرعية لمن هو فاقدها. وليس غريبا أن يقوم الحوثيون بذلك وهم من غيبوا وقتلوا وسجنوا وعذبوا مئات آلاف من أبناء وطنهم. وهذا هو القاسم المشترك الاعظم بينهم وبين من استضافوهم في العاصمة العراقية بغداد، واستقبلوهم استقبالا رسميا وشبه رسمي. فبعض هؤلاء الضباط والطياريين العراقيين قدموا إلى اليمن في تسعينيات القرن المنصرم، بطلب رسمي من حليف الحوثيين اليوم علي عبدالله صالح، لاغراض تدريب وتأهيل القوات العسكرية اليمنية والقوة الجوية فيها. أما البعض الاخر فقد هاجر إلى اليمن بعد الغزو عام 2003، بعد أن تم حل الجيش العراقي ولم يعد في القوة الجوية العراقية ولا طائرة واحدة. ثم تلت ذلك عمليات تصفية مدروسة وممنهجة للضباط والطيارين، كانت قد خططت لها المخابرات الايرانية ونفذتها ميليشيات الاحزاب الحاكمة، وكانت التهمة الوحيدة لهؤلاء أنهم اشتركوا في الحرب العراقية الايرانية وحان وقت القصاص منهم.

لقد كانت الخطيئة الكبرى للدول العربية ذات الامكانيات المادية الكبرى، خاصة دول الخليج العربي، أنها فرطت بمئات الالاف من الضباط والطيارين والخبراء والعلماء وأساتذة الجامعات من العراقيين، ولم تحاول جلبهم للاستفادة من علمهم وخبراتهم العالية في كافة المجالات. كان بإمكان هذه الاقطار العربية أن تقيم نهضة علمية واقتصادية كبرى، بما لديهم من أموال وبخبرات العراق العلمية والاكاديمية، التي هي خبرات للامة وليس لنظام سياسي كانوا مختلفين معه. وها هم اليوم يندبون حظهم لانهم اعتمدوا كليا على حلفاء دوليين باعوهم في سبيل كسب ود خصمهم اللدود إيران. تذكروا، حين أنهار الاتحاد السوفييتي في تسعينيات القرن المنصرم، جلبت إيران مئات الخبراء والعلماء السوفييت، فعملوا لها نهضة صناعية، خاصة في مجال الطاقة النووية والتصنيع العسكري. معضلتنا الكبرى أننا لا ننظر إلى أبعد من أنوفنا، وها هم الحوثيون على استعداد للقضاء على من تبقى من الخبراء العراقيين في اليمن.

شعار الحوثيين هو الموت لامريكا، الموت لاسرائيل. أما كان من الاحرى بهم أن يسألوا وزير الخارجية العراقي كيف أتى على الدبابة الامريكية من لندن؟ وهل سألوا زعماء الميليشيات الذين التقوهم في بغداد، كيف يقاتلون تحت المظلة الجوية الامريكية؟

يقين نت

ب ر

تعليقات